12‏/5‏/2012

2000 إعلامي «مطرود» منذ 2010

العاملون في القطاع يواجهون مخاطر تقليص الوظائف

عائدات الاعلانات في لبنان لا تغطي تكاليف عمل وسيلة اعلامية واحدة (مروان طحطح)
خطر الصرف من العمل يخيّم على قطاع الاعلام بكل فروعه، فقد ازدادت عمليات الصرف التعسفي والجماعي من العديد من المؤسسات الاعلامية والصحافية بشكل مطرد في الاعوام الماضية، الأسباب متعددة، الا أن النتيجة واحدة: قطاع الاعلام يعاني، وليس هناك من يحمي العاملين فيه
رشا أبو زكي
هؤلاء الذين يصنّفون انفسهم «سلطة رابعة» لا يشعرون اليوم بأي ح صانة او حماية. لقب «السلطة» لا يُصرف حتى لدى ادارات المؤسسات الاعلامية نفسها. ادارات تفشل في عملها الاداري، فتستسهل صرف الاعلاميين والصحافيين، لم لا؟ فهؤلاء بلا نقابة تدافع عنهم، لا قانون يحصّنهم ولا مجتمع مدني يأبه لأمورهم لأنهم بنظر الكثيرين جزء من منظومة «الاستبداد» المكروهة. 1600 اعلامي وصحافي صرفوا في لبنان منذ العام 2010 من 11 وسيلة اعلامية (تلفزيون وصحيفة) تعسفياً، يضاف اليهم عشرات المصروفين بشكل فردي، وآخرون من الاعلام المسموع والمجلات والمواقع الالكترونية، ليصل العدد التقديري الى 2000 صحافي واعلامي.
رقم يثير الرعب، ويعطي للعمل الاعلامي صفة تضاف الى «المصاعب» لتصبح مهنة المخاطر. مخاطر من الصرف الكيفي والتعسفي طبعاً. وإن كانت عمليات الصرف الجماعي من المؤسسات والشركات تصنّف «صرفاً اقتصادياً»، ويتم التأكد من قانونية الصرف عبر البيانات المالية لهذه المؤسسات، فإن للمؤسسات الاعلامية ظروفاً خاصة، فهي خاسرة منذ نشأتها، وعائداتها المالية لا ترتكز على الاعلانات، وعلى الرغم من خسارتها «الدفترية» الا أنها دائمة التوظيف، ومحافظة على استمراريتها. وبذلك يصعب فعلاً تأكيد تصنيف الصرف، وبالتالي تبريره، الا في الحالات التي تدخل في الاطار المهني...
الأرقام المقلقة
العاملون في بعض الصحف يعانون من وضع غير مستقر اطلاقا، او بمعنى آخر يرضخون للتهديد بفقدان مصدر الدخل. ففي جريدة «الديار» يستخدم الصرف من العمل بشكل متواصل، يرتفع عدد الموظفين وينخفض بوتيرة سريعة جدا. ففي العام 2010 تم صرف نحو 15 موظفاً، ليلحق بهم 53 آخرون في العام 2011، أما هذا العام فقد شهد صرف 65 صحافياً وموظفاً من الجريدة وموقعها الالكتروني. أسباب الصرف التي اعلنتها الادارة خلال المراحل الثلاث للصرف كانت مالية. اذ يشرح احد الصحافيين المصروفين أن ادارة الصحيفة قدمت التعويضات للمصروفين، ولم يتحدث احد عن ظلم في هذا المجال، الا أن التعويضات يتم تقسيطها شهرياً وليس دفعة واحدة. ويشرح ان اسباب الازمة المالية متعددة، منها ما يتعلق بتراجع التمويل السياسي، ومنها ما يتصل بسوء ادارة في الجريدة، اذ يرتفع عدد صفحات الديار وينخفض بشكل دائم، وتحاول الادارة تطوير آليات استقطاب القراء، وحين لا تصل الى الهدف، تصرف الصحافيين لخفض الاكلاف عليها ثم تعيد توظيف آخرين لتصرفهم لاحقا! وهكذا دواليك.
وشهدت صحيفة «النهار» عملية صرف جماعية لـ53 صحافياً وموظفاً في نهاية العام 2009، ليتبعها صرف كيفي فردي خلال الاعوام اللاحقة، وليصل المجموع الى نحو 63 موظفاً وصحافياً. وقد اشارت الصحيفة حينها الى أن هذا القرار جاء لخفض الاعباء المالية واعادة هيكلة الصحيفة والاستغناء عن الموظفين الذين وصلوا الى سن التقاعد او تجاوزوه. وقد تم صرف نحو 10 صحافيين في السابق وكانت الاسباب المعلنة «اقتصادية».
انتقالاً الى جريدة البلد، التي شهدت حالات صرف جماعية متتالية طوال فترة عملها القصيرة نسبياً. وبين عامي 2010 و2012 تم صرف 60 موظفاً وصحافياً على دفعات، ومن ثم تم صرف 48 صحافياً موظفاً في اربع مؤسسات تابعة للمجموعة التي تمتلك هذه الصحيفة. ويتوقع العاملون أن يتواصل الصرف ليرتفع العدد الى 150 صحافياً وموظفاً. ويلفتون الى أن اسباب الصرف غير معلنة بوضوح، الا ان الحجّة كما في باقي المؤسسات «مالية».
وشهدت جريدة «الأخبار» أيضاً موجات صرف من العمل. اذ صرف 9 صحافيين بين عامي 2010 و2012 بحجّة خفض النفقات، علما ان عمليات صرف اخرى جرت بحجّة اعادة الهيكلة وتقييم الاداء شهدتها الصحيفة قبل عام 2010، وقد حصل المصروفون على التعويضات، وفي حين انتقل البعض الى صحف اخرى او مجالات اعلامية مختلفة، ترك البعض «المهنة» كلياً.
ولم يسلم موظفو وصحافيو جريدة «اللواء» من حالات الصرف، فقد صرف نحو 30 موظفاً وصحافياً، معظمهم من مندوبي المناطق. وقد كان لافتاً قيام العاملين في الجريدة بتحرّك تضامني ساهم بوقف عمليات الصرف، اذ بادر الزملاء في الاقسام الى الطلب من الادارة الحسم من رواتبهم في مقابل ضمان استمرارية عمل زملائهم في القسم. مثلاً، تنازل المصورون عن 20 في المئة من رواتبهم لكي يمنعوا صرف زميل لهم، وهكذا حصل في عدد من الاقسام الاخرى. ويلفت أحد المصروفين الى أن تبرير الصرف كان أزمة مالية عصفت بالجريدة، بحيث قامت الادارة بحسم 10 في المئة من رواتب جميع موظفيها ولم تدفع لهم حتى اليوم زيادة غلاء المعيشة.
وشهدت جريدة «المستقبل» عمليات صرف طالت 120 موظفاً وصحافياً، وذلك على دفعات متتالية منذ آذار الماضي، ويتوقع احد المصروفين المتابعين أن يستمر الصرف خلال الأشهر المقبلة بسبب وجود اتجاه لدى ادارة الجريدة بوقف معظم مقالات الرأي، بهدف خفض التكاليف. ويشرح ان عملية الصرف كانت مالية، والسبب هو الأزمة المالية التي شهدتها شركة «أوجيه» الممولة الأساسية للجريدة والتلفزيون.
أما الأزمة الحقيقية، فكان مسرحها جريدة «البيرق» التابعة لدار ألف ليلة وليلة، اذ أغلقت مكاتبها نهائياً، وتم صرف نحو 205 صحافيين وفنيين وموظفين في الوسائل الاعلامية التابعة للدار، والأسباب هي عدم رغبة ورثة النقيب السابق ملحم كرم باستمرارية العمل في الدار.
من المعروف أنه تم صرف 397 موظفاً واعلامياً من شركة «باك»، يعملون لدى المؤسسة اللبنانية للارسال، وذلك بسبب الخلافات الناشبة بين الوليد بن طلال وبيار الضاهر.. لتنتقل العدوى الى الـMTV التي صرفت 70 متعاقداً من «استيديو فيزيون»، وهي شركة انتاج برامج الـMTV التابعة لمالك التلفزيون، ثم صرف 3 اعلاميين من قسم الاخبار، وتم نشر لائحة تتضمن 27 اسماً سيتم صرفهم خلال الأسابيع المقبلة. ويؤكد المصروفون أن اسباب الصرف سياسية.
ويعيش تلفزيون المستقبل مرحلة الدمج بين الفضائية والارضية بسبب الازمة المالية، وبالتالي تم تبليغ 300 اعلامي وموظف بالصرف. وكذلك، بعد اعلان ادارة الـ NBN لائحة تحمل 25 اسماً تريد الاستغناء عن خدماتهم، قام هؤلاء بالبحث عن وظائف بديلة، ويشرح احد الذين وردت اسماؤهم أن محطتي الميادين والعالم كانتا مقصد الاعلاميين، وجاءت عملية الصرف غير المكتملة بعد وفاة رجل الأعمال الكويتي ناصر الخرافي، وتنازل أبناؤه عن حصتهم في المحطة.

«وحدن» بلا حماية
من يحمي الجسم الاعلامي من عمليات الصرف هذه؟ تتجه الأنظار حين طرح هذا السؤال الى «نقابة المحررين» التي من المفترض أن تحمي الصحافيين، فيتبين أن بين آلاف العاملين في الصحف والمجلات، لا يوجد في النقابة سوى 660 منتسباً. اسباب عدم الانتساب عديدة، ومنها عدم الثقة بقدرة النقابة على حمايتهم. يشرح نائب رئيس النقابة سعيد آل ناصر الدين ان النقابة تقوم بواجباتها تجاه الصحافيين الذين يتقدمون اليها في حال صرفهم. ويلفت الى أن النقابة مستعدة لوضع محاميها بتصرف المصروفين. ويضع ناصر الدين اللوم على الصحافيين: «انهم لا يتوجهون الينا، ولا يطلبون من النقابة حمايتهم». معتبراً ان النقابة لا تتحرك الا وفق الشكاوى. ويقول إن النقابة ترفض اي نوع من الصرف التعسفي في الصحف والمجلات، ولا تهادن في قضايا كهذه.. معتبراً أن الهجوم على النقابة هو من باب «التجني». أما عن عدد الصحافيين والاعلاميين المصروفين، فيشير ناصر الدين إلى انه لا يملك الارقام الدقيقة.
يشرح أحد اعضاء النقابة أن الصحافيين خاضعون لقانون العمل، وبالتالي لا يمكن للنقابة سوى التضامن مع المصروفين ووضع محام في تصرفهم. الا أن النقابة لا تستطيع فرض مساعدتها على الصحافيين، هذا الامر لا يمكن للنقابة ان تفرضه على الصحافيين. ويلفت الى أن عدد المصروفين من العام 2010 حوالي 100 صحافي في الاعلام المكتوب (!). فيما يقول نقابي آخر، انه لا بد أن تفرض نقابة المحررين عقد عمل جماعي في قطاع الصحافة، ويلفت الى أنه في العام 1979 ارسلت نقابة المحررين الى نقابة الصحافة ووزارة الاعلام طلباً للتفاوض حول عقد العمل الجماعي، الا أن رد نقابة الصحافة جاء سلبياً.
غير أن المحامي طوني مخايل، وهو في الدائرة القانونية لجمعية «مهارات»، يشدد على أن الخلل الفعلي الحاصل هو عدم وجود جسم نقابي فاعل يحمي اعلاميي لبنان وصحافييه. ويلفت الى ان انتقائية الموافقة على طلبات الانتساب الى نقابة المحررين يخرج هذه النقابة من دائرة الثقة. كما أن هذه النقابة لا تؤمن حصانة عملية للمنتسبين اليها، باستثناء عدد قليل من البيانات الاستنكارية. ويشرح أن احد الاسباب الاساسية للصرف الجماعي والفردي الحاصل، هو التمويل السياسي لوسائل الاعلام اللبنانية، الذي خفت بعد الثورات العربية. في حين أن عائدات الاعلانات في لبنان لا تغطي تكاليف عمل وسيلة اعلامية واحدة. مشدداً على ضرورة اطلاق حرية تأسيس النقابات في المؤسسات الاعلامية وجمعها في اتحاد عام للنقابات الاعلامية، بدلا من الديكتاتورية النقابية الموجودة والتي تساوم على حساب الصحافيين.
والى حين الوصول الى حلم عقد العمل الجماعي، والى حلم الحرية النقابية، لا يزال آلاف الاعلاميين والصحافيون، يعملون وأيديهم على قلوبهم، ولا تزال كليات الاعلام تخرج صحافيين، سيدخلون حين تخرجهم الى عاصفة القلق الدائم...


11
صحيفة كبرى تعمل حالياً في لبنان باللغة العربية، و3 جرائد باللغة الفرنسية وجريدة باللغة الانكليزية واخرى بالارمنية، اضافة الى تلفزيون رسمي واحد و7 محطات تلفزيونية خاصة. فضلاً عن 27 محطة اذاعية خاصة وواحدة رسمية.

نقابة جديدة لـ «المرئي»
منذ أكثر من سنتين، بدأت الاجتماعات التنسيقية بين عدد من العاملين في وسائل اعلامية مرئية، لبحث آليات تأسيس نقابة خاصة بهم. وتشرح الاعلامية فاديا بزي، أنه بعد أن اكتملت الهيئة التأسيسية وتم تسطير مسودة النظام الداخلي وتحضير الاوراق المطلوبة وانجاز الاجراءات القانونية، قُدّم طلب تأسيس نقابة الى وزير العمل بطرس حرب، الا أنه لم يوقعه، الى أن جاء وزير العمل شربل نحاس ووقع على المرسوم. وتشرح بزي أنه سيتم الدعوة الى جمعية عمومية في 26 الشهر الجاري في قصر الاونيسكو لاستكمال الاجراءات نحو اعلان النقابة رسمياً.
اقتصاد
العدد ١٧٠٥ السبت ١٢ أيار ٢٠١٢

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق