4‏/5‏/2012

إضراب «بلا طعمة»




شعار كتب في ليلة الـ«غرافيتي» على باب مقر الاتحاد العمالي العام (أرشيف)

كما كان متوقعاً، لم يلبّ عمال لبنان دعوة الاتحاد العمالي العام الى الاضراب، باستثناء قلة قليلة من القطاعات التي التزمت جزئياً، لتنتقد عبر الـ«الأخبار» عدم جدية الدعوة، وفقدان الثقة بالاتحاد. فقدان الثقة جاء ليسجل انتصاراً للسلطة السياسية الحاكمة، بعدما نجحت في تحطيم صورة الاتحاد من خلال دفعه الى الزواريب السياسية وتغريبه عن دوره في صون حقوق العمال

رشا أبو زكي

عادي، يوم أمس كان طبيعياً. زحمة السير الخانقة لفت بيروت وضواحيها، وأبواق سيارات التاكسي والفانات تلحن بنشازها المعهود. الطلاب استفاقوا الى مدارسهم من دون تردد. الأساتذة توجهوا الى صفوفهم. العاملون في المصارف والادارات العامة والوزارات لم يقاطعوا وظائفهم. حتى أن التقنين الكهربائي بقي على حاله، المياه بقيت مقطوعة، ولولا توقف حركة الطيران لساعتين صباحاً، وتوقف مراكز الضمان الاجتماعي عن استقبال المواطنين، لكان يمكن القول إنه لا أحد شعر بإضراب دعا اليه الاتحاد العمالي العام. هذا الاتحاد الذي كان يهز شوارع لبنان فور اعلانه تحركاً، أصبح واهناً. هذا الاتحاد الذي كان يعلن الرعب في قلوب أصحاب رؤوس الاموال والسلطة، أصبح ذيلاً لها.

يوم أمس، انتصرت السلطة السياسية في لبنان بكل أركانها المعارضة والموالية، في معركة تفريغ الحركة النقابية من آخر نقطة دم، تاركة الاتحاد العمالي جثة هامدة. ويوم أمس، التحقت كافة الاتحادات النقابية والعمالية وخصوصاً «اليسارية» منها بركب مدمري الحركة النقابية، عبر تعمدها خلال السنوات الماضية تعميق أزمة الاتحاد من خلال اهمال هذا الصرح، والانكفاء عن الشارع الى البيانات والخطب. اليوم الطبيعي أمس، كشف الوجه الحقيقي للاتحاد العمالي العام، كمعلم تراثي لم يعد يمثل عمال لبنان ولا أجراءه، ولا ينال ثقتهم. فقد ظهر الاتحاد عارياً بلا ورقة توت ولا تين، عريه لا يطال قيادة الاتحاد العمالي أو غصن وحده، وانما البنية النقابية المضروبة بكاملها. وليس في الأمر غرابة، اذ إن عدد الاتحادات النقابية في الاتحاد التي تمثل أكثر من 1000 موظف قليل جداً، حتى أنه يقل عن أصابع اليد الواحدة. ما يطرح سؤال جدي: في حال قرر غصن التنازل عن موقعه، فهل تنتج الاتحادات النقابية المنضوية في الاتحاد العمالي من هو أفضل منه؟ وهل تنتخب النقابات «المفقسة» الوهمية المسيسة الممذهبة، شخصية نقابية تعيد للعمال حقوقهم المهدورة؟ أم أن الانطلاقة في استرجاع العمال لاتحادهم هي هيكلة نقابية شاملة ومتكاملة تبدأ من القاعدة وصولاً الى الرأس؟
الاتحادات النقابية التي التزمت الاضراب قليلة جداً، يمكن حصرها بثلاثة: الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، العاملون والطيارون في مطار بيروت الدولي وبعض النقابات المنضوية في اتحادات المصالح المستقلة (الاتحاد يضم نقابات الكهرباء، المياه، الضمان أوجيرو الريجي...). الا أن الالتزام هذا لم يكن سوى رفع عتب. يقول رئيس نقابة عمال مصالح المياه في لبنان الشمالي كمال مولود، إن عمال المياه التزموا بالاضراب يوماً كاملاً. الا أنه لم يتم توقيف انتاج المياه وتوزيعها، واقتصر الاضراب على عمال التصليحات. ويوم أمس، لم تحدث أي أعطال مفاجئة، وبالتالي لم يكن هناك اي انعكاسات للاضراب على أحد. يرى مولود أن تحرك الاتحاد العمالي متأخر جداً، ولا يتسم بالجدية المطلوبة، ولم يؤدّ الى أي ضغط على الحكومة لتحقيق المطالب المرفوعة. يشرح أنه عادة وفي حال كان هناك نية احداث اضراب نوعي، يتم عقد اجتماعات تنسيقية مسبقة مع النقابات والاتحادات النقابية لتحديد المطالب التي تطال القطاعات المشاركة، الا أن ذلك لم يحدث. يلفت مولود الى أن الاضراب أمس لم يكن على مستوى الضغوط المعيشية، والسبب: «الاتحاد العمالي العام يفقد الثقة تدريجياً، ويزيد فقدان الثقة يوماً بعد يوم».
في نقابات الجنوب العتب واحد، يشرح رئيس نقابات عمال مصلحة الليطاني أحمد حرقوص أن العمال التزموا جزئياً بالاضراب. يلفت الى ان وقف العمل اقتصر فعلياً على الادارة لمدة 3 ساعات فقط، في حين استمر العمال بوظائفهم الاعتيادية. «لم يتم التحضير لهذا التحرك بشكل جيد» يقول حرقوص، ويلفت الى أن عدم التزام اتحادات النقل، والانقسام فيما بين هذه الاتحادات أثرا سلباًَ على الاضراب، في حين أن عدم التنسيق مع الاتحادات النقابية الكبيرة مثل الاساتذة وموظفي المصارف ساهم في اضعاف الاضراب.
وفيما التزم عمال الكهرباء بالاضراب، لم يسمع العمال والموظفون في أوجيرو بأي اضراب، يؤكد الموظفون أن العمل كان طبيعياً، ولم يتم توقيف العمل أبداً، ولم يتم الالتزام باضراب الاتحاد العمالي العام. أما رئيس نقابة موظفي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي شوقي فقيه، فأكد الالتزام الكامل بالاضراب في كافة مراكز الضمان، ويشرح ان الالتزام هو بدعوة الاتحاد العمالي وبدعوة اتحاد المصالح المستقلة التي تضم نقابة موظفي الضمان. الا أن فقيه يشدد على أنه ليس راضياً عن حجم الاضراب، كونه كان يحتاج الى المزيد من التواصل مع الاتحادات النقابية كافة، «الا أن واقع التجاذبات السياسية يؤثر على كل شيء في هذا البلد». ويضيف «يمكن اعتبار هذا الاضراب رسالة تحذيرية».
وكذلك توقفت حركة الملاحة الجوية في مطار بيروت الدولي لساعتين من الحادية عشرة قبل الظهر وحتى الأولى بعد الظهر، تجاوباً مع الدعوة إلى الاضراب. يشرح نقيب الطيارين فادي خليل، أن الطيارين شاركوا في الاضراب بعيداً عن اي طروحات سياسية، والهدف داخلي، وهو للتأكيد على أن قرارات وتوجهات نقابات الميدل ايست واحدة، رداً على محاولات التفريق بينها، ويشرح أنه يوجد ثلاث نقابات: الطيارون، المضيفون والأرضيون، وهذه النقابات اتفقت على الالتزام بالاضراب.
وفي الخريطة المناطقية، يمكن القول أن الالتزام كان ضعيفاً جداً، اذ لم تقفل المؤسسات أبوابها، وكان يوماً دراسياً عادياً في عدد كبير من مدارس العاصمة. كذلك سجلت حركة سير عادية في مختلف المناطق، وأيضاً منطقة كسروان - الفتوح، لم تلتزم بالاضراب، وسجلت حركة سير طبيعية على الاوتوستراد الساحلي، وفتحت المحال التجارية ابوابها، اضافة الى المصارف والمؤسسات الرسمية والخاصة. ولم تلتزم المدارس والجامعات والمصارف والمستشفيات والدوائر الرسمية في طرابلس، بقرار الاضراب حيث كانت الحركة طبيعية. وفي حين لبّت منطقة الهرمل وقرى البقاع الشمالي دعوة الاتحاد العمالي إلى الاضراب بخجل، اقتصرت المشاركة الفعلية على عمال ومستخدمي مصلحة المياه والكهرباء.


7 رحلات

تأخرت إقلاعاً ووصولاً من وإلى مطار بيروت الدولي بسبب الالتزام بالإضراب الذي دعا إليه الاتحاد العمالي العام لساعتين. وهذا التأخر في حركة الطائرات جعل عدداً من الركاب والمسافرين ينتظرون في المطار الى حين الموعد الجديد للإقلاع والهبوط.


المعلمون ضد الغدر

أكد رئيس رابطة الأساتذة في التعليم الثانوي حنا غريب أن روابط الأساتذة في التعليم الرسمي لم تدع الى الإضراب ولم تلتزم به. ويلفت الى أن هذا الموقف يعود الى عدم الثقة بقيادة الاتحاد العمالي العام التي تلقّت دعم المعلمين والأساتذة لتبيعهم عند أول مفترق. وقال: «فلتطلب قيادة الاتحاد من حلفائها المساندة. أين الهيئات الاقتصادية من مطالبها؟»، ورأى أن الحل هو في كشف هذه القيادة وفضحها، وبناء حركة نقابية مستقلة من جديد وإعطاء حق التنظيم النقابي في القطاع العام، وإطلاق حرية العمل النقابي.

اقتصاد
العدد ١٦٩٩ الجمعة ٤ أيار ٢٠١٢

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق