16‏/5‏/2012

انتفاضة المستأجرين


جميع المستأجرين وفق العقود الحرة في لبنان يعانون من عدم استقرار سكني (أرشيف)

المستأجرون القدامى على أعصابهم. لجنة الادارة والعدل النيابية تسرب بعض البنود التي تم الاتفاق عليها في مشروع قانون تحرير الايجارات القديمة. منها اضافة زيادات كبيرة على الايجارات خلال 6 سنوات، على أن يحق للمستأجر تجديد عقد الايجار وفق الاسعار المعتمدة في السوق لثلاث سنوات اضافية، وبعدها يمكن للمالك طرد المستأجر.
رشا أبو زكي
موضوع الايجارات القديمة شائك. حوالي 180 ألف وحدة سكنية (وفق لجنة الدفاع عن المستأجرين) تسكنها آلاف العائلات، عائلات معظمها من كبار السن، ونحو 65 في المئة منهم فقراء، يدفعون مبالغ قليلة جداً كبدل ايجار. أصحاب هذه المباني أيضاً مظلومون ببدل الايجار الزهيد الذي يحصلون عليه. ايجاد حل لمشكلة سكن المستأجرين في ظل الاسعار القياسية للشقق السكنية في لبنان، في مقابل انصاف المالكين، يقع على عاتق السلطة اللبنانية.
الا أن مجلس الوزراء أقر الايجار التملكي في العام 2006 (وهو حل مجتزأ لا يفيد المستأجرين بسبب عدم قدرتهم على الاقتراض نتيجة السن المتقدمة)، وحصل من وزير الشؤون الاجتماعية وائل بو فاعور على المراسيم التطبيقية للقانون منذ اسابيع، ولم يبحث حتى اليوم هذه المراسيم، ولم يطرح أي خطة اسكانية شاملة يمكن التعويل عليها، في حين أن لجنة الادارة والعدل النيابية تدرس تحرير الايجارات القديمة منذ سنوات، ولم تخرج حتى اليوم بمشروع يرضي الفريقين...
تجاه هذا الواقع، تحول المستأجر الى علامة استفهام متنقلة، لا يعلم نوايا وزرائه، ولا مآرب نوابه، باستثناء ما يسرب من اجتماعات اللجنة النيابية بين فترة وأخرى. احدى هذه التسريبات أن مشروع القانون يتضمن بند التحرير التدريجي للايجارات، على مدى 6 سنوات، بحيث يرتفع الايجار بزيادات تراكمية نسبتها 15 في المئة في السنوات الاربع الاولى، وفق الفارق بين بدل المثل (اي قيمة الشقة المماثلة وفق الاسعار المعتمدة حالياً) وبدل الايجار القديم.. لترتفع النسبة الى 20 في المئة في السنتين الأخيرتين. وبعد 6 سنوات، يستطيع المستأجر التعاقد مع المالك لمدة 3 سنوات وفق السعر المعمول به في السوق، أو اخلاء المأجور. ويتضمن المشروع كذلك انشاء صندوق خاص للايجارات السكنية يقدم مساعدات لذوي الدخل المنخفض لشراء مسكن أو شراء المأجور بالاتفاق مع المالك. الا أن اللجنة النيابية اعتبرت أن عدد المستفيدين من هذا الصندوق لا يتعدى الـ15 في المئة من اجمالي عدد المستأجرين القدامى. هذه التسريبات وصلت الى لجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين القدامى، ويقول أمين سر اللجنة زكي طه أن المستأجرين القدامى لن يوافقوا على إقرار أي مشروع من دون اطلاق سياسة سكانية شاملة تمنع عنهم التشرد بعد 6 سنوات. ولن يوافقوا على أي زيادة ضخمة كتلك التي يطرحها المشروع والتي لا يستطيع المستأجرون تحملها. ويرفضون أي مشروع عشوائي يحقق مصالح المصارف وتجار العقارات على حسابهم.
الا أن أكثر من متابع للملف أكد أن اللجنة لن تصدر مشروع القانون قبل الانتخابات النيابية المقبلة، اذ إن المستأجرين كما المالكين هم عبارة عن آلاف الأصوات المتناثرة في جميع المناطق اللبنانية، واغضاب هاتين الفئتين سيدخل النواب وكتلهم في جحيم التبرير والمساءلة. عضو لجنة الادارة والعدل غسان مخيبر لا يؤكد ولا ينفي قرب الاتفاق على صيغة نهائية للتعديلات. يشرح أن المشروع الذي تبحثه اللجنة وصل الى مرحلة الصياغات النهائية، الا أن بعض البنود لا تزال قيد الدرس. مثلاً بند انشاء صندوق خاص للايجارات السكنية يحتاج الى تمويل، وينتظر ملاحظات وزارة المال عليه. يقول مخيبر إن اللجنة تجتمع كل اسبوع، تبحث بنود وتعلق أخرى، معتبراً ان اللجنة ستخرج بمشروع قانون يشكل جزءاً من خطة اسكانية شاملة. لكن متى اعلان انجاز المشروع؟ لا يحدد مخيبر موعداً محدداً، الا أنه يستبعد أن يتأخر الى ما بعد الانتخابات النيابية.
يلفت طه الى وجود ازمة سكن في لبنان، وكل الحكومات السابقة لم تقم بأي توجه لاقرار خطة سكنية لحل هذه الأزمة، مكتفية باصدار القوانين التي تنظم العلاقة بين المالك والمستأجر. يلفت الى أن الانجاز الوحيد للسلطة اللبنانية في الاطار السكني هو انشاء المؤسسة العامة للاسكان، هذه المؤسسة التي تعاني اليوم من مخاطر جدية لوقف عملها. يشرح طه أن المصارف استثمرت 30 مليار دولار في السوق العقارية، وبالتالي لم يعد لها مصلحة في استخدام جزء من احتياطها الالزامي لتمويل قروض الاسكان عبر المؤسسة، بعدما اصبحت جزءاً من اللعبة العقارية. ويرى أن للمصارف التجارية مصلحة كبيرة بتحرير الابنية القديمة، وخصوصاً أن 75 في المئة من الايجارات القديمة تتركز في بيروت وجبل لبنان، حيث تشهد اسعار العقارات ارتفاعات ضخمة.
يذهب طه الى أن أعضاء اللجنة النيابية وعدداً كبيراً من النواب في جميع الكتل النيابية، هم اما تجار عقاريون وإما مصرفيون، أو مستفيدون من هاتين الفئتين الاقتصاديتين، ما يخفض حظوظ اصدار قانون ينصف المستأجرين. يضيف طه أن حق السكن مقدس، والدولة هي المسؤولة عن ايجاد الحلول، لا بل إن ذلك هو من أولى مسؤولياتها. ويستغرب طه الاندفاع الحاصل لتحرير الايجارات القديمة، في حين أن جميع المستأجرين وفق العقود الحرة في لبنان يعانون من عدم استقرار سكني، ويخضعون كل ثلاث سنوات لارتفاع في الايجارات أو اخلاء لمساكنهم بطلب من المالكين، معتبراً أن على الدولة وضع حد للأسعار من جهة وضبط السوق العقارية والسكنية بشكل فوري.
ويشير الى أن مجلس النواب اقترب من اصدار هذا القانون، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تكثيف الاجتماعات في لجنة الادارة والعدل، والامعان في مناقشة البنود. لكنه يستبعد كذلك اصداره قبل الانتخابات النيابية. ويلفت طه الى أن المستأجرين سيعلنون مواقف موحدة من مشروع القانون قيد الدراسة خلال مؤتمر عام سيعقد في قصر الاونيسكو في 23 من الشهر الجاري، بحيث سيحضره المستأجرون وعدد من الفاعليات المهتمة بهذه القضية، وحينها، سيتم الاعلان عن الخطوات التي يمكن تنفيذها في حال اقرار المشروع في لجنة الادارة والعدل.


1
هي مرتبة بيروت كأغلى عاصمة عربية في إيجار الشقق، فيما احتلت المرتبة الـ37 عالمياً والمرتبة الثالثة من بين 13 مدينة في الشرق الأوسط وأفريقيا، وذلك وفق تصنيف شركة «كوشمان أند ويكفيلد» للاستشارات العقارية. وكانت بيروت قد احتلّت في مسح عام 2010 المرتبة الـ30 كأغلى مدينة عالميّاً.

إنها المضاربات العقارية القاتلة
لم يشمل قانون تحرير عقود الإيجارات في عام 1992 المستأجرين قبل عام 1992. وهؤلاء هم عبارة عن الآلاف من العائلات التي ستدخل في صلب أزمة الأسعار السكنية المرتفعة، ما سيزيد الأوضاع الاجتماعية السيئة، سوءاً. ويقول أمين سر لجنة المدافعين عن المستأجرين القدامى إن مشروع القانون الذي يُبحَث لا يشكل أي ضمانة للمستأجرين من عدم التشرد ويسأل: «من سيردعهم حينها من السكن عنوة في آلاف الشقق غير المأهولة التي تُعَدّ جزءاً من حركة المضاربات العقارية القاتلة؟».
اقتصاد
العدد ١٧٠٨ الاربعاء ١٦ أيار ٢٠١٢

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق