13‏/6‏/2012

المسابح «مش لكل الناس»


250 مؤسسة سياحية تحتكر البحر وترفع الاسعار على روّادها
بعد احتلال الشاطىء من قبل السياسيين بقي لفقراء بيروت كورنيش عين المريسة (مروان طحطح) 
 
جاء الصيف، فارتفعت كلفة الدخول الى المسابح. قاعدة أصبحت معروفة على عتبة كل موسم صيفي. البحر الذي من المفترض أن يكون للجميع، بات للقلة. رواده هم من يستطيعون دفع 20 ألف ليرة على الاقل «دخولية» لتمضية نهار يتخلله شراء طعام وشراب من داخل المسبح حصراً. هكذا لا يخرج لبناني من مسبح الا وقد انفق 50 ألف ليرة أقله، وصولاً الى 100 ألف ليرة. أما أن تذهب عائلة الى المسبح، فمشكلة تحتاج الى اعادة تفكير

رشا أبو زكي
ليست نجاة الصغيرة وحدها من «يعشق البحر»، آلاف اللبنانيين ينتظرون موسم الصيف لممارسة هواية السباحة او تمضية النهار على الشاطئ. الا أن لبنان الذي لم يبق من شاطئه سوى أمتار قليلة مخصصة للمسابح الشعبية، يمنع على أبنائه حتى مياه بحره. من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب تمت «خصخصة» الشاطئ. خصخصة لا تدخل الى خزينة الدولة اموالاً، بل تدرّ الى جيوب سياسييها الذين احتلوا الشاطئ وشفطوا رماله. الخيارات أصبحت ضيقة، 250 مسبحاً أصبحت الممر الوحيد للبنانيين لكي يصلوا الى البحر. في كل عام، يرتفع سعر بطاقة الدخول الى هذه المسابح، وفي كل عام تتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، فتضيق الخيارات أكثر.
شهدت «دخولية» المسابح ارتفاعاً بقيمة 5 آلاف ليرة تقريباً عن العام الماضي في عدد كبير من المسابح اللبنانية، فقد سجل السعر الأدنى لبطاقة الدخول 20 ألف ليرة، ليرتفع الى 48 ألف ليرة في بعض المسابح. يرى نقيب المؤسسات السياحية البحرية في لبنان جان بيروتي أن الارتفاع موجود ولكن بنسبة لا تتعدى الـ10 في المئة. يرد ذلك الى كلفة الاستثمار التي تزيد سنوياً مع ازدياد أسعار المواد والخدمات. يشكو بيروتي من تراجع حركة ارتياد المسابح، مع الأزمة السياحية القائمة. يوضح أنه خلال أيام الاسبوع، تكاد الحركة تكون معدومة، كون المقيمين في أعمالهم والطلاب لا يزالون في مدارسهم. شكوى لا تفاجئ أية أسرة لبنانية، اذ كيف يمكن لعائلة ذات دخل منخفض أو متوسط، ومكونة من خمسة أشخاص مثلاً، أن تدفع بين 100 و200 ألف ليرة لكي تصل الى البحر؟ طبعاً من دون احتساب سعر المياه أو الطعام أو الشراب، كون غالبية المسابح تدفع رواتب لموظفين مهمتهم تفتيش الحقائب، للحرص على عدم ادخال ولو كيس «تشيبس» الى المسبح.
في جولة على بعض المسابح، يتبين أن واقع ارتفاع اسعار البطاقات يغطي عدداً كبيراً من المناطق، في حين تنخفض الاسعار في بعض المسابح البعيدة عن العاصمة، كون روادها يقتصرون على أبناء المناطق. يشرح صاحب مسبح الجسر غسان عبد الله، أن بطاقة الدخول ارتفعت من 15 ألف ليرة في العام الماضي الى 20 ألف ليرة هذا العام. الأسباب بحسبه عديدة، منها كلفة المازوت، الى الزيادات التي لحقت الاجور وبدل النقل للموظفين. اضافة الى كلفة تأمين الكهرباء مع التقنين القاسي، وارتفاع اسعار مواد تنظيف المسابح. يقول عبد الله «لدينا أكثر من 100 موظف، في المقابل لا يأتي في اليوم أكثر من 20 زبوناً، كنا نعتمد على المغتربين، الا أن الأوضاع السياسية منعت مجيئهم هذا العام».
صاحب مسبح «دو فيل» في خلدة ريبال ابو غنام يتحدث عن الاكلاف نفسها، يلفت الى أن الحاجة الى الكهرباء اساسية، «من المكيفات الى الفلاتر في المسبح الى ادوات المطبخ والانارة، ومع ارتفاع اسعار المازوت زادت كلفة تشغيل المولّد الى 15 ألف دولار شهرياً». الا أن غنام يؤكد أن سعر البطاقة لا يزال على حاله بالمقارنة مع العام الماضي: 20 الفاً للكبار و10 آلاف للصغار.
للدخول الى مسبح «سيان» في الكسليك، يجب دفع 25 الف ليرة خلال أيام الاسبوع، و30 ألف ليرة في الـ «ويك اند». الارتفاع عن العام الماضي هو 3 آلاف ليرة وفق مينرفا رحمة، التي تشدد على أن حركة رواد المسبح تراجعت هذا العام 20 في المئة عن العام الماضي. يتراجع سعر البطاقة في مسبح «بال مير» في كسروان الى 10 آلاف ليرة، بعدما كان 8 الاف ليرة العام الماضي. أحد أصحاب المسبح يشير الى أن الحركة «عدم»، والسبب هو غياب المغتربين، وبدء الامتحانات الرسمية للطلاب.
اما مسبح «ريفييرا»، فسعر بطاقة الدخول اليه يصل الى 36 الف ليرة خلال ايام الاسبوع للكبار، و26 ألف ليرة للاطفال. أما في نهاية الاسبوع فيرتفع الى 48 ألف ليرة للكبار و30 ألف ليرة للأطفال. يشرح مدير الفندق نزار ألوف ان السعر ارتفع عن العام الماضي بنسبة 10 في المئة، والسبب هو ارتفاع كلفة تشغيل المسبح. لافتاً الى أن حركة المغتربين والسياح ضعيفة جداً، ما ادى الى تراجع عدد زائري المسبح حوالي 30 في المئة عن العام الماضي.
يعلّق بيروتي على ارتفاع الأسعار، معتبراً أن المسابح التي تتقاضى أكثر من 40 الف ليرة ثمناً للبطاقة، لا يتجاوز عددها الخمسة في كل لبنان. في حين أن 70 في المئة من المؤسسات السياحية تتقاضى 20 ألف ليرة في نهاية الاسبوع و15 الف ليرة في الأيام الاخرى. ويشرح ان المسابح هي مؤسسات موسمية، وتقدم الكثير من الخدمات في الداخل، وما لا يعرفه الناس هو أن الدوش والرقابة والسلامة والنظافة العامة هي اكلاف فعلية يدفع عليها اصحاب المسابح آلاف الدولارات. يوضح ان راتب منقذي السباحة ارتفع من 400 الى 800 دولار، وارتفعت اسعار الكلور وتأمين الكهرباء، ما أدى الى ازدياد كلفة التشغيل بين 10 و15 في المئة. يلفت بيروتي الى أن المؤسسات في جهوزية تامة لاستقبال الموسم الصيفي، الا أنه في 20 تموز سيبدأ شهر رمضان ويستمر حتى 20 آب، ويوجد اكثر من 50 مؤسسة بحرية تقفل ابوابها نهائياً خلال هذا الشهر، في حين ينخفض الإشغال في المؤسسات الاخرى حوالي 50 في المئة. وبين اليوم ورمضان، يوجد امتحانات رسمية، وبالتالي تخسر المسابح الطلاب الذين يعتبرون من أكثر من روادها. يشير بيروتي الى أن هذا القطاع سيمنى بخسائر باهظة هذا العام. «الحركة تراجعت خلال ايام الاسبوع حوالي 40 في المئة الآن، وبالتالي لا يمكن توقع التراجع الضخم خلال الشهر المقبل». يشرح بيروتي أن المؤسسات السياحية البحرية ليست «دكانة»، فهي لا تستطيع اغلاق ابوابها خلال الصيف، ومضطرة إلى تحمل الخسائر، على أمل أن تتبدل الاوضاع، ويعي السياسيون أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي أولوية، وليس الحرب والنزاعات السياسية.
المسابح تعاني طبعاً من تقلص عدد السياح بشكل كبير، وتعاني من ارتفاع الأكلاف. لكن المواطنين يعانون كذلك، يترقبون ما سيحصل، يخبئون قرش «السلم» ليوم «الحرب». اضافة الى ذلك، هم ممنوعون من الترفيه عن أنفسهم على شاطئ من المفترض أن يكون ملكاً عاماً.


10 آلاف ليرة
الحد الأدنى لارتفاع سعر بطاقة الدخول إلى معظم المسابح في مقارنة بين أسعار البطاقات اليوم وتلك التي كانت معتمدة في صيف عام 2010. علماً بأن سعر البطاقات ارتفع بين 5 آلاف ليرة في حد أدنى و 15 ألف ليرة في حد أقصى العام الماضي مقارنةً بعام 2010

الغلاء ليس محصوراً بالمسابح
أمس، صدر تقرير «ميركر» لقياس كلفة الحياة في الدول في عام 2012. وعلى الرغم من الانخفاضات الحاصلة في الأكلاف في عدد كبير من الدول بسبب تراجع أسعار العقارات، قفزت بيروت 8 درجات بين العام الماضي والعام الحالي لتصبح في المرتبة الـ67 عالمياً، فأزاحت أبو ظبي عن المرتبة الثانية، متوجة نفسها كأغلى دولة في الشرق الأوسط من بعد مدينة يافا (تل أبيب). وهكذا أصبحت أغلى 6 مدن في الشرق الأوسط لعام 2012: يافا، بيروت، أبو ظبي، دبي، عمّان (الأردن)، الرياض.
اقتصاد
العدد ١٧٣١ الاربعاء ١٣ حزيران ٢٠١٢

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق