21‏/6‏/2012

إصلاح ضريبي من رحم الأزمة

خبراء يؤكدون أن المرحلة مواتية لمقايضات كبرى


الضريبة على الارباح العقارية تعيد التوازن الى السوق الاسكانية (هيثم الموسوي)

الأزمات الاقتصادية هي مناسبة للانطلاق بالإصلاحات الضريبية. هذا ما تؤكده تجارب الدول، وهذا ما يدعو إليه معظم الخبراء الذين رأوا أن الإجراءات الضريبية المطروحة في مشروع موازنة جديرة بالنقاش باستثناء الضريبة على القيمة المضافة؛ فزيادة ضريبة الاستهلاك ستؤدي إلى اضطرابات اجتماعية ومعيشية إضافية، توصل إلى نتائج اقتصادية ومالية عكسية... هذا الموقف يشذّ عنه البعض، خوفاً من الصدمة

رشا أبو زكي

تضمن مشروع موازنة الـ 2012 مجموعة من الإجراءات الضريبية، طاولت ريوع الفوائد على الودائع المصرفية والأرباح العقارية وأرباح المصارف، إضافة إلى زيادة الضريبة على القيمة المضافة. مشروع الموازنة لم ير النور حتى اليوم، ويستبعد إقراره هذا العام إلا بمعجزة سياسية غير واضحة المعالم. بذلك، خرجت تصريحات بإمكان إقرار الزيادات الضريبية عبر قوانين منفصلة عن الموازنة. في ظل هذا الاتجاه، تدفقت المواقف، وخصوصاً من القطاعات المصرفية والعقارية والتجارية، لتعتبر أن أي إجراء ضريبي إضافي في ظل الأزمة الاقتصادية القائمة من الممكن أن يوصل إلى كارثة.

فهل صحيح أن إعادة هيكلة النظام الضريبي على وقع الأزمات سيترك آثاراً سلبية؟ من المفيد العودة إلى الإجراءات التي تتبعها الدول خلال حصول أي نوع من الركود أو الأزمات الاقتصادية. فإدارة أوباما تنفذ خطة لتحفيز الاقتصاد عبر إعادة النظر بالضرائب وزيادة الإنفاق الاستثماري لإيجاد نحو 4 ملايين فرصة عمل جديدة. كذا، ذهبت الخطة الألمانية لتنشيط الاقتصاد إلى تحفيز الاستثمارات في البنى التحتية. وفيما ذهبت الحكومة الفرنسية في عهد نيكولا ساركوزي إلى المزيد من التقشف وخفض الضرائب على المؤسسات والرساميل الكبرى، قامت حملة فرنسوا هولاند على زيادة الإنفاق الحكومي وزيادة الضرائب على أصحاب الرساميل لإيصاله إلى سدة الرئاسة.
فكيف ينظر الخبراء الاقتصاديون إلى الواقع اللبناني؟ وهل يرون أن الإجراءات الضريبية هي أداة فاعلة اليوم؟
يقول رئيس مركز البحوث والاستشارات كمال حمدان، إن تجارب البلدان تؤكد أن فترة الأزمات هي الفترة الأفضل لاتخاذ القرارات التي تنطوي على مقايضات كبرى وذات بعد بنيوي. يشرح أنه في قلب العاصفة والأزمة تضيق مروحة الخيارات التقليدية الممكنة، ويصبح المجتمع أمام مفارق طرق كبرى مع عدم وجود بدائل غير سلوك إحدى هذه الطرق. أما عدم سلوك هذه الطرق فيؤدّي إلى حتمية الغوص أكثر في الأزمة؛ إذ إن المقايضات قد تكون مكلفة لأطراف اجتماعية واقتصادية محددة، لكنها تبقى أقل من كلفة السير نحو طرق مسدودة. تبدأ المقايضة بإقرار واعتراف بواقع عدم العدالة في توزيع العبء الضريبي، سواء المباشر أو غير المباشر. انعدام العدالة واضح في الحالة اللبنانية، مع استمرار إخضاع الدخل لمعدلات ضريبية شديدة التفاوت تبعاً لمصدر الدخل. مثلاً، يخضع الربح التجاري، الزراعي، الصناعي والسياحي لضرائب تتجاوز 23 في المئة، بينما لا يزيد على 5 في المئة على الدخل المتأتي من الفائدة المصرفية و6 في المئة على الدخل المتأتي من البيوعات العقارية.
يلفت حمدان إلى أنه في ظل هذا التفاوت الشديد، من الطبيعي أن تخطط الدولة لردم هذه الفجوة، وبناء قاعدة الوعاء الضريبي بنحو أكثر توازناً، بما يشمل الأرباح الريعية والعقارية. إلا أن المشكلة الأكبر التي تعترض قبول هذا المنطق، هو عدم القدرة على تناول هذه الطروحات من زاوية موجبات زيادة الإيرادات الضريبية؛ إذ إن مدى استعداد تحمل المواطن فكرة زيادة العبء الضريبي يرتبط بقناعة جدوى وصوابية الإنفاق العام. ففي بلد مثل لبنان، عندما تكون المزاريب راسخة البنيان في القنوات السائدة راهناً في الإنفاق العام، من الطبيعي أن ينعدم استعداد المواطن كما أصحاب رؤوس الأموال للقبول بفكرة العبء الضريبي الأكبر، لأنه لا أحد يلمس جدوى الإنفاق، مع غياب الخدمات الاجتماعية الأساسية والحوافز الإنتاجية، وعدم وضوح السياسات الاقتصادية عموماً.
يذهب الخبير الاقتصادي جاد شعبان إلى مستوى آخر من النقاش. يلفت إلى أن الأزمات تولّد اقتصادات جانبية، وكذلك ما يعرف بالسوق السوداء. مثلاً، يرتفع استهلاك أدوية الأعصاب والمواد الغذائية الأساسية، ويتزايد الطلب على المواد النفطية في حال انقطاع الكهرباء... هذه القطاعات يمكن أن تكون هدفاً لضرائب مباشرة لا يعاد تحصيلها من المواطنين. يلفت شعبان إلى أن الأزمة تخلق خططاً قائمة على فكرة التعاضد الاجتماعي. إلا أن هذه الخطط مفقودة في لبنان، بحيث يتوزع العبء الضريبي بطريقة غير عادلة بين الشرائح الاجتماعية. أول من يرفض إعادة توزيع الدخل الوطني عبر إجراءات ضريبية هادفة هم أصحاب الرساميل والاستثمارات الكبرى، وذلك رغم أن إجراءات كهذه تؤدي إلى استقرار اجتماعي واقتصادي يحقق ثباتاً، إن لم نقل نمواً، في السوق المحلية. ويشرح شعبان أن الضرائب على الريوع هي الأساس، في حين أن فرض ضرائب جديدة غير مباشرة، كالضريبة على القيمة المضافة، يعطي نتائج عكسية؛ إذ يتراجع الاستهلاك، وتنخفض القدرة الشرائية، ما يؤدي إلى زيادة الأزمة وتجذيرها. ويعود إلى تقارير مجموعة الـ 20 (G20) التي أثارت في اجتماعاتها الأخيرة موضوع السياسات الاقتصادية خلال الأزمات، وأشارت إلى أن سياسات التقشف غير فاعلة ويجب الاتجاه إلى سياسات النمو وفق سياسات ضريبية عادلة.
هذه التحليلات لا تتوافق مع نظرة الخبير الاقتصادي مازن سويد. يشرح الأخير أنّ من الأفضل أن تتغير السياسة الضريبية في ظل وضع اقتصادي جيد؛ لأن فرض ضرائب جديدة يؤدي إلى اختلال في الاستهلاك والاستثمار، وهذا الاختلال من الأفضل أن يحدث في وضع اقتصادي قادر على امتصاص الصدمة. يلفت إلى أن الرئيس سعد الحريري وضع في في موازنة عام 2010 زيادة الضريبة على القيمة المضافة من 10 إلى 12 في المئة، ورغم أن الاقتصاد كان يحقق نمواً مرتفعاً، ارتأت الحكومة أن الوقت حينها ليس ملائماً لفرض ضرائب جديدة، قبل أن يؤدي النمو إلى تحسن ملحوظ في فرص العمل وقفزة استثمارية منظورة. ويسأل سويد: «كيف يمكن فرض ضريبة كهذه الآن في ظل نمو تراجع من 2,5 في المئة إلى 1,5 في المئة؟». أما بالنسبة إلى الضرائب العقارية، فهي تأتي في ظل تراجع واضح في قطاع العقارات بسبب تدني شهية المستثمرين العرب والمغتربين، وبالتالي تعتمد السوق العقارية حالياً على اللبنانيين المقيمين، وفرض ضريبة كهذه سيطاول هذه الفئة. أما بالنسبة إلى الضرائب على الفوائد، فهي تأتي في ظل عجز في ميزان المدفوعات، وبالتالي المطلوب هو زيادة الحاجات التمويلية، المتأتية أساساً من المصارف.


65 في المئة

هي نسبة المكوّنات الضريبية وشبه الضريبية المفروضة على كل فاتورة خلوي. في المقابل، تفرض ضرائب غير مباشرة على المحروقات، ويدفع المواطنون فواتير يمكن اعتبارها ضرائب غير مباشرة مثل الإنفاق على مولدات الكهرباء التي تقدم خدمة من المفترض أن تكون عامة.


ما الحل مع الضرائب غير المباشرة؟

يقول الخبير الاقتصادي جاد شعبان إن المصارف، وهي شركات مساهمة، تدفع ضريبة دخل مقطوعة تبلغ 15 في المئة كحد أقصى، لكن الشركة الصغيرة تسدد ضريبة تصل الى حوالى 20 في المئة. أما شركات الهولدينغ فهي تتمتع بضريبة تنازلية، فكلما ارتفعت أرباحها تنخفض نسبة الضريبة المفروضة عليها. ويشير شعبان إلى أن تلطي هذه القطاعات خلف فكرة تأمين فرص العمل لا يعكس الواقع الفعلي، إذ إن نسبة التشغيل تتراجع سنوياً، في مقابل انخفاض في التقديمات التي تؤمنها هذه القطاعات لموظفيها، مع بحث المصارف حالياً بتعديل عقد العمل الجماعي.

اقتصاد
العدد ١٧٣٧ الخميس ٢١ حزيران ٢٠١٢

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق