19‏/6‏/2012

سيادة العتمة

التقنين الكهربائي يرتفع إلى 20 ساعة والمعامل في الصيانة!
(أرشيف ـ هيثم الموسوي)
 
لم يعد ممكناً وصف التقنين في لبنان بأنه «قاس»، أصبح خارج القدره على وصفه أو تبريره. الأمر لا ينحصر بساعات التقنين التي وصلت إلى 20 ساعة في عدد كبير من المناطق، بل في تفاقم الأزمة كل عام أكثر من العام الذي سبقه، من دون التفكير في أي إجراءات استباقية. كل شيء غير صالح في منظومة الكهرباء: من المعامل إلى الشبكات مروراً بالخطوط والمحطات... الخلاصة أن اللبنانيين ينفقون مليارات الدولارات على الكهرباء الأصيلة والبديلة والنتيجة: كارثة حقيقية

رشا أبو زكي
أصبح فصل الصيف في لبنان أشبه بفيلم رعب، إذ ما إن يبدأ الحر، حتى يزداد تقنين الكهرباء، ليصل إلى ذروته عند كل شهر آب من كل عام. وفي كل سنة، تتكرر البيانات المعللة لأسباب التقنين: ازدياد الطلب، ارتفاع نسبة الأعطال في المحطات والشبكات، عدم قدرة الشبكة على تحمل ارتفاع درجات الحرارة، صيانة معامل الانتاج، التعدّيات... وفي كل سنة، لا تبذل الجهات المعنية أي جهد حقيقي لاتخاذ اجراءات تقنية استباقية تخفف عن اللبنانيين وطأة المشهد المتكرر نفسه... ما زاد الطين بلّة في هذا العام أن مؤسسة كهرباء لبنان وضعت برنامجاً لصيانة المعامل ينتهي في آخر حزيران، فإذا بموجة الحر تأتي في حزيران نفسه وسط تأخير في الإلتزام بالبرنامج، فبدأ موسم حرق الدواليب وقطع الطرقات احتجاجاً على زيادة التقنين قبل موعده المعتاد!
تشير مصادر مسؤولة في مؤسسة كهرباء لبنان إلى أن الطلب على الكهرباء ارتفع حالياً من 2300 ميغاواط/ساعة إلى 2700 ميغاواط/ساعة. وتشرح أن حجم الطلب يرتفع سنوياً 7،5 في المئة، وتصل نسبة الطلب إلى الذروة في شهر تموز. في المقابل، تنتج المعامل حوالى 1543 ميغاواط، إلا أن اعمال الصيانة الجارية للأعطال الطارئة، خفضت من إنتاجها إلى 1170 ميغاواط، ليصبح الفارق بين الانتاج والطلب حوالى 1530 ميغاواط، أي بما يوازي 57% من مجمل الطلب. وتترافق الصيانة والأعطال مع توقف تام لاستجرار الطاقة من سوريا ومصر (حوالى 280 ميغاواط). وتلفت المصادر إلى أن تراكم المشكلات والاهتراء الحاصل في الشبكات والمعامل يسهمان في تكرار الأزمة نفسها كل عام. كذلك، تشير إلى أن إضراب المياومين عن العمل، وخصوصاً في الصيانة، أسهم في تأخير عمليات تصليح الأعطال الطارئة.
في المقابل، تشكّك مصادر أخرى في مؤسسة الكهرباء في هذه الأرقام، وترى أنه يوجد مبالغة في تقدير حجم الطلب والانتاج، وذلك لخلق أزمة كهربائية كبيرة، تعطي دعماً لوزير الطاقة والمياه جبران باسيل في ملف استئجار البواخر، الذي يتعرض من جديد لتساؤلات وتشكيكات حول المفاوضات الحاصلة مع شركة البواخر. وتدعم المصادر موقفها بأن مؤسسة الكهرباء أعلنت في الشهر الأول من العام الجاري انطلاق أعمال الصيانة على معامل الانتاج، على ان تنتهي في أيار الماضي، لكي لا تتكرر أزمة التقنين هذا الصيف. الا أن أعمال الصيانة هذه لم تحصل في موعدها، ومرشحة إلى المزيد من المماطلة لاستثمار تبعاتها على طاولة مجلس الوزراء. كذلك، تلفت مصادر المياومين إلى أن اللجنة التي تتابع قضيتهم رفعت طلباً إلى إدارة المؤسسة يوم أمس، لتصليح الأعطال في جميع المناطق اللبنانية، وذلك لشكر المواطنين الذين وقفوا إلى جانبهم في قضيتهم. إلا أن إدارة المؤسسة رفضت هذا الطلب، بحجة انهم لم يعودوا مشمولين بعقود التأمين، وبالتالي لن تكون مسؤولة عن المياومين في حال تعرضوا لحوادث عمل. وقد أعاد المياومون رفع طلب آخر إلى الإدارة، وأعلموها بأنهم مستعدون للقيام بحملة صيانة شاملة يوم الاربعاء المقبل في حال موافقتها. وأيضاً، لفت المياومون إلى أنهم لم يعلنوا أي إضراب في معامل الانتاج، وأنهم يقومون بواجباتهم الكاملة في هذا الاطار، وبالتالي هم ليسوا عائقاً في عملية الانتاج.
وبين الكلام والتشكيك، تبقى الوقائع هي الأساس، إذ يوجد في لبنان 7 معامل حرارية أساسية لانتاج الكهرباء، وفي كل معمل عطب يصل إلى حالة الشلل، وفي كل معمل ملايين الدولارات التي تنفق على الصيانة، ولا تخلص إلى نتائج توقف التدهور الحاصل في الكهرباء.
1) معمل الذوق: أعلنت مؤسسة كهرباء لبنان في 13 آذار الماضي قرب انتهاء اعمال الصيانة العامة على مرجل المجموعة الثالثة في معمل الذوق الحراري استعداداً لفصل الصيف (بدأت عملية الصيانة في 15/10/2011). ولفتت إلى أن توقف هذه الأعمال سيؤدي إلى خسارة 130 ميغاواط/ ساعة من أصل حوالى 400 ميغاواط. الا أنه حتى اليوم لم تنته صيانة المجموعة، ومن المتوقع ان توضع في العمل مجدداً أوائل تموز.
2) الجية: أدّت صيانة المجموعة الخامسة إلى توقف 84 ميغاواط من أصل 280 ميغاواط.
3) صور: هو معمل صغير قدرته الانتاجية لا تتعدى 35 ميغاواط.
4) بعلبك: القدرة الانتاجية لمعمل بعلبك هي 35 ميغاواط، إلا أن كلفة تشغيله العالية، وندرة قطع الغيار اللازمة لإصلاحه، تؤديان إلى عدم تشغيل المعمل بشكل دائم، وإن تم ذلك، لا يتعدى إنتاجه 20 ميغاواط.
5) الزهراني: قدرته الانتاجية 450 ميغاواط، وقد أعلنت مؤسسة الكهرباء بدء عملية صيانة المجموعة البخارية في المعمل في الأول من آذار، وكان من المفترض أن تنتهي في 26 آذار، لكن ذلك لم يحصل، إذ لا ينتج المعمل سوى 300 ميغاواط حالياً، بسبب ارتجاج حاصل في «توربين» يدفع إلى عدم تسييره وفق طاقته القصوى لكي لا يتعرض إلى خطر التوقف النهائي!
6) دير عمار: قدرته الانتاجية 450 ميغاواط، وقد أدت أحداث طرابلس (بحسب المؤسسة) إلى تأخير عمليات صيانة المجموعة الغازية الثانية مع مرجلها التي بدأت في في 14 نيسان، وكان من المفترض أن تنتهي في 11 حزيران، إلا أنها تأخّرت 15 يوماً بسبب تلك الاحداث، وبالتالي توقف المعمل عن إنتاج 225 ميغاواط.
7) الحريشة: وهو معمل صغير كذلك، ويواجه أعطالاً متكررة.
إضافة إلى المعامل الحرارية، تعمل في لبنان المعامل المائية، وهي تقدم 108 ميغاواط، وتصل إلى ذروة إنتاجها خلال فصل الصيف، أي 110 ميغاواط. وهي معامل الليطاني، التي هي عبارة عن ثلاثة معامل تابعة للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني (أوّلي، جون، عبد العال). معامل شركة نهر البارد وهي عبارة عن معملين صغيرين، إضافة إلى معمل الصفا.
التقنين يطال جميع المناطق اللبنانية من دون استثناء، وقد وصل خلال الأيام الماضية إلى بعض أحياء بيروت الادارية المعفاة من التقنين منذ سنوات طوال. تتراوح ساعات التقنين بين 10 إلى 22 ساعة في المناطق. في حين كانت ساعات التقنين محددة بـ3 ساعات في بيروت الادارية، لترتفع خلال الايام الماضية في بعض أحيائها إلى ما بين 5 ساعات و18 ساعة يومياً.
تنقسم بيروت والضاحية إلى أكثر من محطة تقوم بتغذيتها بالكهرباء:
1- محطة المطار: موجودة داخل حرم المطار. يقول العاملون إنها من أسوأ المحطات من حيث رداءة المعدات، وصغر «الترانسات». تغذي هذه المحطة المطار وأقساماً من الضاحية (التحويطة، عين السكة). معدل التقنين فيها 18 ساعة.
2- محطة عرمون: تغطي عرمون، بشامون، خلدة وجزءاً من الضاحية، خلدة. معدل التقنين 16 ساعة.
3- محطة الحرج: تغطي قسماً من حارة حريك، الغبيري، شارع الأيتام، الشياح، الطيونة، وصولاً إلى أول عين السكة من جهة حارة حريك، إضافة إلى تغذيتها عدداً كبيراً من أحياء بيروت. و«ترانسات» هذه المحطة تعاني من حمولة فائضة، ويصل حجم التقنين إلى 18 ساعة حالياً (باستثناء بيروت).
4- محطة الشويفات: تغطي عدداً من أحياء الضاحية (المريجة، التيرو، حي السلم، الجامعة اللبنانية، الليلكي، وقسماً صغيراً من أول الكفاءات). التقنين يصل إلى 18 ساعة يومياً.
5- محطة الأونيسكو: تغذي منطقة الجناح بتقنين يصل إلى 18 ساعة يومياً، كما تغذي عدداً من أحياء بيروت. يلفت عدد من المتابعين لعمل هذه المحطة إلى أن التقنين وصل في الأيام الماضية إلى 20 ساعة في معظم مناطق الضاحية، والسبب هو أنه جرت إضافة ساعتين من التقنين بسبب الحمولة الزائدة المتأتية من بيروت الادارية. ويلفت أحد العاملين إلى أن أوامر التقنين تصل من الادارة المركزية للكهرباء في كورنيش النهر. ولا يمكن أن تزاد دقيقة تقنين واحدة من دون هذه الأوامر. ويشرح أنه خلال فترة الصيف يرتفع الطلب في بيروت بشكل كبير، وبما أن هناك «محولات صغيرة الحجم، تأتي الأوامر بزيادة التقنين في الضاحية. ويؤكد أن زيادة حجم المحولات ليس بقرار عسير، ولا يحتاج سوى إلى قرار إداري، ولكن إدارة الكهرباء لا تقوم بواجباتها في هذا الاطار، ما يؤدي إلى ازدياد ساعات التقنين خلال فترة الصيف.
الحال نفسها تنسحب على بقية المناطق. ففي بعلبك ترتفع ساعات التقنين إلى 20 ساعة يومياً. يلفت العاملون في دائرة بعلبك إلى أن هذه الدائرة كبيرة جغرافياً، وتتغذى من محطتي بعلبك وبدنايل. تطاول التغذية كلاً من غربي بعلبك (شمسطار ومحيطها)، شرقي بعلبك (بريتال ومحيطها)، إضافة إلى يونين ومحيطها، وبلدة نبحا ومحيطها، ومدينة بعلبك. والأخيرة تتدنى فيها ساعات التقنين إلى 18 ساعة يومياً. ويلفت العاملون إلى أن أوامر التقنين وتوزيعها تأتي من إدارة المؤسسة في بيروت، فيما كامل هذه المنطقة تتغذى من 6 خطوط أساسية فقط، وتصلها كميات قليلة من الكهرباء، من دون الافادة كثيراً من معمل بعلبك بسبب عدم تشغيله لكلفته العالية.
في كل من محطات مرجعيون، النبطية، السلطانية، صور، ووادي جيلو وصيدا المعاناة نفسها. يصل حجم التغذية بالكهرباء إلى 7 ساعات يومياً، لتصل نسبة التقنين إلى 17 ساعة يومياً. يلفت العاملون إلى أنه يوجد غرفة عمليات مرتبطة مع غرفة بيروت تتلقى منها أوامر التنفيذ. ويشيرون إلى أن ذروة التقنين تتحقق في شهر آب. ومن المتوقع ألا تزيد التغذية على 5 ساعات يومياً. أما في الشمال، فقد وصلت ساعات التقنين إلى 16 ساعة يوم أمس، بعد أن كانت منذ حوالى أسبوع 20 ساعة يومياً. يلفت العاملون إلى أن معمل الحريشة يتضمن 6 وحدات، لا تعمل منها سوى واحدة. وهذا المعمل المتكرر الأعطال يغذي جزءاً من طرابلس، ويغذي معمل دير عمار الجزء الثاني، في حين تتغذى عكار من معمل البارد، وذلك بمعدل 8 ساعات يومياً، تتوزع بين 4 ساعات نهاراً و4 ساعات ليلاً.
في جزين الوضع مختلف. فهي تتغذى من معمل الأوّلي الذي ينتج الكهرباء من المياه. تتوزع ساعات التقنين وفق 3 مناطق إضافة إلى جزين: قسم من جبل لبنان (باتر نيحا وجباع). جزء من إقليم التفاح (عين بوسوار وجباع الحلاوة، كفرفيلا، وكفرحتى)، وقسم من جبل الريحان (كفرحونة، سجد، اللويزة، الربحان، عرمتى، السريرة)، إضافة إلى بعض المناطق المحيطة بالنبطية. ولا تتعدى ساعات التقنين في المناطق المغذاة من الأولى 4 ساعات يومياً، إن كان في الصيف أو الشتاء...
وتظهر الجولة هذه أن قضية التقنين ليست مرتبطة بالطقس فقط، ولا بإضراب لعمال يريدون حقوقهم، ولا بتوقف استجرار الطاقة من سوريا أو مصر، بل بمنظومة كهربائية «عاطلة»، في ظل غياب أي خطة استثمارات جدية لإنقاذ القطاع، خارج إطار الكلام والشعارات، والـ«كليشيهات» الآنية.


16 عاماً
مرت على لبنان من دون أي استثمار في قطاع الكهرباء يواكب الطلب المتزايد على الطاقة. في المقابل، أنفقت مليارات الدولارات لشراء الفيول حصراً من دون أجراء أي تحديثات على المعامل أو الشبكة الكهربائية

الكهرباء تنقطع في كل لبنان!
عند الساعة السابعة من مساء أمس، انقطعت الكهرباء في كل لبنان. فقد انفصلت جميع معامل الإنتاج عن الشبكة الكهربائية إثر «صدمة كهربائية» مفاجئة. علّلت مصادر مؤسسة الكهرباء أن سبب الصدمة قد يكون ارتفاعاً كبيراً في الطلب فاق قدرة الشبكة على احتماله، وأن هذه الحالة حصلت منذ أربع سنوات، وقد أعيد وصل الكهرباء الى الشبكات خلال ساعات. إلا أن ما أصاب الشبكة انعكس صدمة مضادة في الشارع. فقد امتدت الاعتصامات الرافضة للتقنين في المناطق الى بيروت، وقد تم قطع الطرقات في كل من: خلدة، برجا، العين في بعلبك، تفاحتا، طريق المطار، صيدا...
اقتصاد
العدد ١٧٣٥ الثلاثاء ١٩ حزيران ٢٠١٢

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق