18‏/7‏/2012

مياومون يكتبون وصيّتهم: الموت ولا المذلّة



آثار معركة أمس الأول لا تزال موجودة أمام مؤسسة الكهرباء (مروان بوحيدر) 
 
رشا أبو زكي 
 
كالمطر، هطلت الحجارة والعصيّ على رؤوس المياومين أول من أمس. شكل مؤسسة الكهرباء لمن لم يزرها بعد هو كالآتي: تدخل بوابة حديدية كبيرة، تليها مساحة صغيرة تفصل البوابة عن الدرج الذي يمتد نزولاً نحو 60 متراً، وبعدها تصل الى صالة الزبائن في مؤسسة الكهرباء. استحكم «طلاب التيار الوطني الحر» كما شاؤوا أن يسمّوا أنفسهم، من أمام البوابة فوق، بالمياومين الذين كانوا هدفاً سهلاً ومريحاً، تحت، وخاصة المضربين عن الطعام، الذين لبوا دعوة المياوم لبنان نخوّل الذي أعلن أول من أمس بدء حملة «إضراب عن الطعام في مواجهة الذل».
هؤلاء كانوا يجلسون في خيمة خارج المؤسسة أمام صالة الزبائن. سقط منهم جريحان بقناني البيرة والعصير والحجارة التي أصابت يد علي ورأس إدغار.
داخل الخيمة، يجلس المضربون عن الطعام. لكل منهم قصة. إلا أن مطلبهم واحد: التثبيت وتحويل الرواتب المقطوعة منذ أكثر من 3 أشهر. «مستمرون في إضرابنا حتى التثبيت أو الموت»، يقول حسين علام. وبمناسبة الحديث عن الموت، كتب المضربون عن الطعام وصية مشتركة. في الوصية لم يتوجهوا الى السياسيين ولا إلى محازبيهم، وإنما الى أبناء وطنهم: «أستودعكم الله في أولادي، كنت أتمنى وأنا أخطّ أحرف رسالتي هذه أن أكون ضد عدوي وعدو أمتي كما فعلها إخوتي ورفاقي من قلبي، لكن للأسف أكتبها من داخل خيمتي في مؤسسة كهرباء لبنان. وأنا أصارع الجوع، أناضل من أجل لقمة عيش كريمة لأطفالي الذين لا ذنب لهم سوى أنهم أبناء عائلة فقيرة ومهجرة داخل وطنها. فقد خلقنا في وطن لا يسألونك ماذا تحمل من شهادات ومن خبرة أو مؤهلات، بل السؤال الوحيد الذي يسألونك إياه: ما هي طائفتك وما هو مذهبك؟ هل أنت مسلم أم مسيحي؟ هل أنت سني أم شيعي؟ علوي أم درزي؟ وإن كنت مسيحياً، فهل أنت ماروني أم روم، فما هو ذنبي إنْ خلقت مسيحياً أو مسلماً (...) أخيراً، أعود وأستودعكم الله في أولادي يا إخوتي المياومين».
يغص علام حين الحديث عن وضع عائلته. يسأل: «ماذا يجب أن أفعل لكي أعيش بكرامتي في هذا البلد؟». فامتناعه الطوعي عن الطعام برأيه هو تحرك سلمي، لا يؤذي به أي شخص سوى نفسه، «لعل جوعي يوقظ ضمائر المتحكمين برقابنا وبلقمة عيشنا». لعلام 4 أولاد، «يعيشون من قلة الموت»، إذ إن إخوته يصرفون منذ 3 أشهر على منزله، أي منذ أن توقفت مؤسسة الكهرباء عن صرف راتبه. ما يعين علام هو انتهاء العام الدراسي، إلا أن موعد التسجيل في المدارس اقترب، وهو، لا حول له ولا قوة. علام الذي يتعرض لنوبات إغماء متكررة بسبب معاناته من مرض السكري، لم يتذوق الطعام منذ يومين، «لكنني كنت سأحرق نفسي في بدء التحرك، أصبح الموت تفصيلاً في حياة الذل التي أعيشها منذ أشهر». أما الإضافة التي أرادها على وصيته الخاصة «أن يكون مأتمي في هذه الشركة، لكي يتحمل كل من وقف في وجه مطالبنا مسؤولية دمائي». علام يحمل بكالوريا فنية في الكهرباء، ويعمل في قطاع التفتيش في المؤسسة في دائرة الشياح منذ 15 عاماً. «لقد كنت أعمل في المؤسسة، حيث تسلمت كهرباء فرنسا تسيير المؤسسة. بعدما توقفت كهرباء فرنسا عن إدارة التوزيع، طلبت إدارة المؤسسة أن أستمر في العمل لكي تستفيد من الخبرة التي اكتسبتها. علام كان ضحية المجتمع الطائفي حتى في عمله «عملنا في التفتيش يعني تسطير المحاضر، وبالتالي تعرضنا للكثير من الإهانات. أبناء الضاحية كانوا يسألوننا «لستم أقوياء سوى علينا؟». وأبناء عين الرمانة يسألوننا: «لماذا تسطّرون محاضر ضدنا، وفي الشارع المقابل يعلقون على الكهرباء، لستم أقوياء سوى علينا؟». هذه آخر رسالة نوجهها الى كل المعنيين بملفنا «أنتم مسؤولون عن مصيرنا».
لم يستطع محمد باجوق الحديث، سبقته دموعه. خجل من البكاء، فخبأ وجهه بيده وطلب من الجميع الابتعاد عنه. بعد نكتة إيلي، ضحك باجوق، وتحدث عن معاناته. يعمل باجوق منذ 5 سنوات في ما يسمى «الشبكات الهوائية». هو ممن ترونهم معلقين على أعمدة الكهرباء. يضحك حين يتذكر ما قام به معتصمو التيار الوطني الحر أول من أمس «هل يريد هؤلاء أن يعملوا في هذه المهنة حقاً؟ ينظمون التظاهرات ويقذفوننا بالحجارة لكي يتدلوا على أسلاك الكهرباء؟ هل يعتبرون فعلاً أن من يسعفه الحظ لكي لا يموت صعقاً أزعر؟». ولكن ما الذي يجبر باجوق على العمل في وسط هذا الخطر؟ يشرح أنه يحتاج الى الـ 740 ألف ليرة التي يتقاضاها في نهاية كل شهر. فهو المعيل الوحيد لعائلته، إذ لديه أخ من ذوي الاحتياجات الخاصة، وأخ صغير يحتاج الى من يؤمن مصاريفه. باجوق واجه الموت غير مرة. آخرها تركت تشوهات على يده اليمنى. مر على باجوق 3 أشهر بلا راتب، فاستدان من بعض الأصدقاء واعداً إياهم بتسديد الديون بعد أن يتم تثبيته. «لقد ظننت أنني اقتربت من التثبيت، وأن رواتبنا ستصرف، إلا أنني فوجئت بكل ما يحصل». يخبّر باجوق عن مياوم ترك زوجته التي كانت على وشك الولادة أمام باب الطوارئ في أحد المستشفيات وهرب لكي يجبر المستشفى على إدخالها. وكيف عمد المياومون الى الاستدانة من أصدقائهم لتجميع الأموال ودفع مصاريف المستشفى. يتحدث عن ذل لا يحتمل، عن موت لا يحتمل ولا يخفف الإضراب عن الطعام من وطأته. «أصبحت والموت صديقين، لعلها ميزة جديدة خلقتها مؤسسة الكهرباء في نفسي، إضافة الى ميزة أخرى، وهي أنني حين أموت، لن يحصل أهلي على أي تعويض من الضمان الاجتماعي، وإن شارفت على الموت لن يقبل أي مستشفى باستقبال شخص ليس مضموناً».
يعمل جاد نصر الله في دائرة صور مناوباً في الصيانة منذ 13 عاماً. «أفضل الموت من الجوع على الموت من الذل» يقول. لجاد 3 فتيات تتراوح أعمارهن بين سنتين و6 سنوات. «أخجل من بناتي حين يطالبنني بالذهاب الى البحر أو بشراء لعبة، لم أتقاض راتبي من 3 أشهر، باعت زوجتي ما تملكه من ذهب بقيمة 1500 دولار لكي نستطيع دفع إيجار المنزل وشراء بعض الحاجات الأساسية. وماذا بعد أن تنتهي هذه الأموال؟ أين سأجد عملاً في منطقتي؟ هل أراقب أولادي وهم خائفون من أن تفرغ صحونهم من الطعام في الأيام المقبلة؟». يستغرب جاد الفوقية التي يتعاطى بها مناصرو التيار مع المياومين «لسنا أثرياء، نحن نحتاج الى العمل، لذلك نحن متمسكون به، لا يوجد خلفيات سياسية لتحركنا، فقط نريد أن نعيل أطفالنا». هل من يسمع؟


لسنا مختلسين!
حمل رئيس تكتل التغيير والإصلاح ميشال عون على جباة الإكراء أنهم يحتجزون أموالاً مستحقة لمؤسسة الكهرباء، داعياً الى ملاحقتهم قضائياً. إلا أن الجباة طالبوا بتنفيذ هذا التهديد لأن القضاء سيناصر المياومين. ولفتت اللجنة الى أن كل جاب يودع مؤسسة الكهرباء 12 مليون ليرة ككفالة مسبقة قبل بدء عمله. وهذه الكفالة إلزامية، فاذا تعرض جاب للسرقة، يتم حسم ذلك من الكفالة المالية. وتلفت اللجنة الى أنه ليس هناك أي جاب يحمل قيمة فواتير تفوق الكفالة. إذ تصل الأموال الموجودة لدى كل منهم إلى 8 أو 9 ملايين ليرة. وبالتالي يتبقى من الكفالة المالية بين 3 و4 ملايين ليرة لصالح المياومين. يضاف إليها رواتب 4 أشهر سبقت الاعتصام، ولم يتقاضاها الجباة حتى اليوم، علماً بأن الراتب الشهري الأدنى للجابي يصل الى مليون ليرة. وبمعادلة بسيطة، يتبقى لكل جاب بين 7 و8 ملايين ليرة لصالحه. أما في ما يتعلق بتفتيش سيارة المدير العام للمؤسسة، فقد أكد المياومون أنه يبدو أن عون لا يعلم أن مدخل سيارة المدير منفصل عن مداخل المؤسسة. فهو في الطابق السفلي، وتفتح بوابة موقفه عبر جهاز تحكم عن بعد موجودة بيد عناصر الأمن التابعين للمدير.
سياسة
العدد ١٧٦٠ الاربعاء ١٨ تموز ٢٠١٢

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق