4‏/1‏/2013

نازحون مخرّبون


رشا أبو زكي - جريدة المدن الإلكترونية (من الأعداد صفر)
تضج وسائل الإعلام يومياً بتصريحات سياسيين ووزراء جلّهم من التيار الوطني الحر، يرفضون وجود النازحين من سوريا في لبنان. تضرب هذه التصريحات على وتر اللبنانيين الحساس: وضعنا الاقتصادي والإجتماعي لا يحتمل وجود النازحين. من أين سنطعمهم؟ أين سنأويهم؟ وقد وصل البعض الى اعتبار أن النازحين "سيتسسبّبون بإنهيار إقتصادي في لبنان". إلا أن المضمر في كل تصريح هو سؤال واحد: "لماذا نريد كلبنانيين إيواء النازحين من سوريا؟" سؤال شوفيني يستمد غطرسته من فكرة الخوف من "الغريب"، الذي يهدّد الفرادة اللبنانية ويستفز عنصريتها. والخوف مرتبط بوضع النازحين المأسوي، الذي قد يثير تعاطفاً غير مطلوب على أبواب الانتخابات النيابية المقبلة. والخوف مرتبط كذلك بتغييرات ديمغرافية محتملة قد تعطي لفريق مذهبي قوة كانت بعيدة عنه لسنوات.
المخاوف كلها منسوجة بحسابات سياسية ومذهبية لا تنظر الى النازحين كطالبي لجوء من قصف وحشي يرتكبه نظام قرّر قتل شعبه. مخاوف لا علاقة لها بالوضع الاقتصادي والاجتماعي للبنانيين. وبالعودة الى سلوك الحكومة إقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، لا يمكن أن يتصور أحد حتى ولو كان في "عز" هذيانه أن هذه الحكومة (كما سابقاتها) حريصة على تطوير اقتصادي أو تنمية اجتماعية تحسّن من حال اللبنانيين. لذا، لا بد من مقاربة التصريحات المبنية على تصورات افتراضية، انطلاقاً من الواقع. هل النازحون السوريون يؤثرون سلباً على اقتصادنا؟
لم تنفّد هذه الحكومة أي مشروع أو خطة طوال فترة ولايتها يمكن اعتبارها تنموية أو أن تسهم في إنتشال المواطن اللبناني من سفينة الغرق بالفقر والبطالة أو الهجرة. لذا، لا يمكن توقع أن تتحرك الحكومة كجهة رسمية لتنفق ولو دولاراً واحداً على ما يمكن أن يقيه من الموت جوعاً أو برداً. هكذا، يقوم عدد من الجمعيات الإنسانية والسياسية بمساعدة العائلات النازحة في كلِّ من قرى البقاع والشمال. مساعدة مادية وأخرى عينية تطال غالباً المواد الغذائية اللازمة والحاجات الأساسية البديهية. ولدى بعض العائلات أقارب في لبنان، فيعيش معهم، والبعض الآخر يضطر الى استئجار بيوت للسكن فيها. ولتأمين قيمة الإيجارات يعمل النازحون في مهن تؤمن لهم الحد الأدنى من المدخول، كالبناء والزراعة والتجارة وغيره... وفي هاتين العمليتين مردود للمواطن اللبناني كما للإقتصاد: افادة من قيمة الإيجارات وتحريك العجلة الإنتاجية في بعض القطاعات.
كذا، يصرف النازحون أموالهم في لبنان، بعد أن دخلوا في الدورة الاستهلاكية المحلية، وخصوصاً بعد أن بدأت المؤسسات والجهات الدولية المانحة بصرف ملايين الدولارات تحت إطار دعم النازحين. أما الفئة الثانية من النازحين، وهي فئة الأثرياء، فشغلت الفنادق في بيروت ومناطق الاصطياف التي كانت شاغرة بفعل انعطاف السياح عن لبنان المأزوم سياسياً وأمنياً، وليس طبعاً بسبب وجود النازحين على أرضه. وكلا الفئتين، لم تأت بحاجاتها معها من سوريا، لذا فهي تؤمن كل ما تحتاج إليه من السوق المحلية.
جولة على المعنيين في القطاعات السياحية والإقتصادية كافية لدحض كل ما يقال: إرتفاع كبير في استهلاك المواد الغذائية الطازجة والمعلبة، وخصوصاً في مناطق الشمال البقاع وبيروت. إرتفاع نسبي في الإنفاق على الثياب والأحذية. مناطق في البقاع والشمال وبيروت وضاحيتها تشهد شبه إنعدام لوجود بيوت ومحلات صالحة للإيجار. لا وجود لفنادق شاغرة بالمطلق، إذ تراوح نسبة الإشغال بين 30 و70 في المئة خصوصاً في بيروت ومناطق الإصطياف...
أما الأزمة الناتجة عن انخفاض حركة التبادل التجاري مع سوريا وتراجع حركة الترانزيت البري والمشكلات التي تضرب فروع المصارف اللبنانية العاملة في سوريا، وارتفاع نسبة التدهور الأمني في لبنان ما يهرّب السياح كما المغتربين في مواسم الأعياد... فهي ليست مسؤولية النازحين أنفسهم، بل نتيجة وجود نظام قرر أن يجعل من شعبه "طالب لجوء"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق