3‏/1‏/2013

"لن ننتحر"

رشا أبو زكي- جريدة المدن الإلكترونية (من الأعداد صفر)

امتنع السياح العرب عن لبنان في فترة الأعياد. إستفاق اللبنانيون على اتهامات سياسية واسعة، رَأَسَ وزير السياحة فادي عبود المعركة. دولة الإمارات تمنع أبناءها من زيارة "بلدهم الشقيق". تسوق الاتهامات وتقول أن لبنان غير آمن، ولا يوجد فيه كهرباء ولا مقومات سياحية. أنهى عبود تصريحه بعبارة: "إذا لم يأتوا الى لبنان... لن ننتحر".
لن ننتحر، قالها عبود من دون تردد. وقد سبق أن أطلق حملة تحت عنوان: "شو في بلبنان؟". الحق مع عبود. لا يوجد أي شيء في لبنان. الكهرباء "منوّرة" في كل بيت وفي كل شارع. الضمان يشمل اللبنانيين كلهم. الدواء ليس مزوراً. اللحوم ليست فاسدة. المياه لا تنقطع. الأسعار عادية جداً. الرواتب ممتازة، حتى أن أحداً لا يتحرك في الشارع رافعاً مطلباً إجتماعياً. الخطط الإجتماعية تخطت في تخطيطها خطط فرنسا نفسها. الفقراء؟ لا فقراء. هنا في جنة الله على الأرض لا بطالة وصلت الى خنق اللبنانيين لتدفعهم الى الهجرة. لا طرقات معتمة. لا تطوف المجارير على سكان لبنان وضيوفه مع كل "شتوة". لا يتراشق السياسيون بأقذر العبارات على أجهزة التلفزة والإذاعة وعلى صفحات الجرائد. لا موت على أبواب المستشفيات. لا انفجارات. لا قتل على متاريس المذاهب. لا عنصرية تجاه أي لاجىء. هنا المعالم السياحية تلقى "دلعاً" غير مسبوق في أي دولة في العالم، لدرجة أن وزير الثقافة مل من كثرة هذه المعالم فقرر طمرها. من جاء بعبارة الإنتحار الى هذا البلد السعيد؟ من اخترعها؟ إنها عبارة "غريبة" "أجنبية" لا علاقة للدولة الهانئة بها. لن ننتحر، قالها عبود من دون تردد. فالسياح الإماراتيون لم يسهروا في لبنان ليلة رأس السنة. أصلاً هم لا يشكلون سوى 2 في المئة من إجمالي عدد السياح الذين يأتون الى لبنان سنوياً وفق احصاءات وزارة السياحة، ما يجعل الفورة التي أحدثها عبود وفريقه غير مفهومة. لكن المفهوم والواضح أن لبنان تديره حكومة منتحرة منذ فترة. "حكومة كلنا للعمل" العاطلة عن العمل. حكومة لا تحتاج الى حوافز للعيش ولا لمسكنات. من يثبت للبنانيين كما للسياح أن الحكومة اللبنانية على قيد الحياة؟ أين الوثائق؟ أين الدلائل؟ وزير الطاقة والمياه ووعوده الكهربائية الساقطة في إمتحان البواخر، منتحر. وزير الصحة وخطة "الضمان الصحي الشامل" المختفية، منتحر. وزير العمل في دولة البطالة الفاحشة والمتزايدة، منتحر. وزير المال وحساباته المالية وموازنته التي لم تنجز حتى اليوم، منتحر. وزير الإقتصاد الغائب عن نسب التضخم الهائجة، منتحر. وزير الزراعة الذي طمس قضية اللحوم الفاسدة ولم يحقق أي انجاز زراعي، منتحر. وزير الداخلية وأمنه السائب، منتحر... الحكومة منتحرة، خط حياتها الوحيد هو العيش على توزيع المسؤوليات. تارة تتهم النازحين بتهديم الإقتصاد، وتارة أخرى الأساتذة الذين يطالبون بحقوقهم، وطوراً السياح أنفسهم. كل العالم مسؤول عن الانهيارات الاقتصادية والإجتماعية في لبنان، إلا الحكومة اللبنانية. إذن هي غير مرئية، خارج إطار الزمان والمكان. ووزير السياحة فادي عبود يعود ويكرر وبثقة أن "نا" لن ننتحر.
فعلاً، لن ينتحر عبود ولا قوى 8 و14 آذار. لن ينتحر أي سياسي تغص الشاشات بكلماته. لن تنتحر إيران ولا السعودية ولا أميركا ولن تنتحر أي دولة تدّعي فيض محبة لأن عدداً قليلاً من السياح لم يزر لبنان... أصلاً، قلب اللبنانيين وهن جداً، لا يحتمل إحتفالية كهذه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق