11‏/2‏/2013

كلهم حريريون




رشا أبو زكي                                                    الاثنين 11/02/2013, آخر تحديث 08:25 م
تقوم فلسفة المعارضين للسياسات الإقتصادية والإجتماعية في لبنان على نقد "الحريرية الإقتصادية". أساس هذا النقد هو رفض المسار الإقتصادي الذي اعتمد بعيد الحرب الأهلية ليترسخ قوانين وأعرافاً حتى يومنا هذا. رفض الخصخصة وبيع رأس مال الدولة العيني. رفض الفساد في المشاريع كافة. رفض هدر المال العام. رفض غلبة الأرباح الريعية على الأرباح الإنتاجية. رفض النمط المعتمد في إدارة المال العام. رفض سيطرة "فريق الحريري" كنموذج على القطاعات والإدارات الحيوية. رفض "السياسة الإفقارية". رفض السياسة الضريبية الظالمة... حمل المعارضون الكثير من اللاءات التي إن أردنا عزلها عن واقع المعارضين يمكن القول أنها شعارات تغييرية فعلية يمكن الدفاع عنها حتى الرمق الأخير. في المقابل، حمل "الحريريون" على المعارضين أنهم لا يفقهون رسم السياسات، أنهم اشتراكيون لا بل أحياناً شيوعيون، وتصنيف الإشتراكية والشيوعية في مرحلة ما قبل الأزمة المالية العالمية لا يعني سوى التخويف من التأميم وإلغاء الملكية الفردية. ودافع "الحريريون" بشراسة عن الخصخصة بحجة أن القطاع العام "تاجر فاشل". كذا دافعوا عن سياسة إلغاء الرسوم الجمركية واعتبروا أن تحرير الإقتصاد بالمطلق وتحويل لبنان الى مرتع سياحي خالص هو الحل - الخلاص.
هكذا، شهدنا خلال سنوات طوال صراعاً بغلاف إقتصادي- إجتماعي بين فريقي السلطة 8 و14 آذار. ولكن، هل حمل شعارات كهذه كاف لفرض تصنيف المعارضة والموالاة إقتصادياً وإجتماعياً على الأقل، أم هي تجميل لواقع لا يحمل التصنيف وتتداخل فيه المصالح الى حد الإنصهار بين الفريقين أنفسهم؟
في تشريح الطرف المعارض يمكن القول أنه تم التوافق على أن يكون التيار الوطني الحر "زعيم" المعارك. فالتيار خطّ أولى وثائقه الاقتصادية والإجتماعية تحت عبارة أن الإقتصاد الحر مقدس. بعد تحالفه مع حزب الله، وبعد أن تأكد أنه أصبح حليفاً لحزب قوي وقادر على فرض معادلات سياسية بهالة معنوية وهي المقاومة وهالة مادية وهي السلاح، اعتبر التيار أن هيكلة السلطة في لبنان قابلة للتغيير، ويمكن نزع تيار المستقبل "السني" عن عرش الإقتصاد، ليقلّد نفسه بديلاً مارونياً. يهمس عدد من قيادي التيار أن مصطلح الإصلاح والتغيير دقيق جداً: "إصلاح في البنية المذهبية لادارات الدولة، لتغيير نمط التوزيع ووصول التيار الى هذه الإدارات كممثل "شرعي" عن المسيحيين".
هكذا، ألغى التيار وثيقته الأولى، لتظهر وثيقة أخرى تناقض كل مبادىء الأولى وتقوم على رفض "السياسات الإقتصادية الحريرية". وبدأ سياسيو التيار، باسمهم وباسم المتضررين من الهيمنة "السنيّة" على الإقتصاد ومنهم حزب الله، رفع الصوت بشراسة ضد: سوليدير، الهيئة الناظمة للإتصالات، أوجيرو، مطار بيروت، وغيرها من المرافق التي يستحوذ عليها "المستقبل" أو أنشئت خلال تصاعد نفوذه. وشهدت ساحة الصراع بعض المناوشات مع حركة أمل، إلا أنها لم تخرج من سياق التوزيع المذهبي للوظائف في بعض المرافق، ينتهي الصراع فور فرض أمل بعض شروطها. وأسقط "الحر" من أدبياته فكرة أساسية، وهي أن كل حلفائه كانوا جزءاً من حكومات "الحريرية"، وهو في حكومة سعد الحريري كان جزءاً، وفي بعض الصفقات كان شريكاً (عضو المكتب السياسي ورئيس قطاع المهن الحرة في تيار المستقبل سمير ضومط الذي أخرجه جبران باسيل من شباك صيانة وتشغيل معملَي دير عمار والزهراني من خلال شركة "كيبكو"، ليدخله من باب بواخر الكهرباء "كاريدانيز" الواسع). وكان كذلك جزءاً من سياسات إقتصادية استكملت ما كان قد بدأ في منتصف التسعينيات: ضرائب، رسوم على المحروقات، هدر في بنود الموازنة، تراجع الخدمات الاجتماعية ومنها الضمان، ازدياد نسبة انقطاع الكهرباء والمياه، تقدم سلحفاتي في الإتصالات (خلوي وانترنت)، توسع الهيمنة على النقابات العمالية، هيمنة الهيئات الاقتصادية على القرار الاقتصادي للبلاد، استمرار انحدار الادارات العامة، ترسيخ التوزيع الطائفي في كل الفئات الوظيفية وضمنها تلك الفئات غير المشمولة بالتوزيعات (الفئة الثانية وما دون)، انحدار القطاعات الإنتاجية، عدم وضع أي سياسة إجتماعية فاعلة، استمرار التركّز والإحتكار في معظم الأسواق، إرتفاع نسب التضخم وانحدار في القدرة الشرائية للمواطنين... هكذا، كان فريق "المعارضة" برئاسة التيار الوطني الحر لا يتأثر بأي معاناة اجتماعية ولا يهزه أي تدهور إقتصادي، إلا إذا كان الحدث متعلق بصفقة أو قضية تطال "المستقبل". هذا الواقع المعاش، والذي لا يلغيه ولا يحجبه كثرة المؤتمرات الصحافية التي يعقدها أولياء "الحر"، ينسحب على أركان أساسية في قوى "المعارضة" سابقاً.
اليوم، "المعارضة السابقة" في الحكم، ومع النقلة هذه، يتأكد اللبنانيون أن مصطلح "الحريرية" لم يعد مرتبطاً بآل الحريري، إنما أصبح كلمة تعبّر عن الظلم الإجتماعي للمواطنين وتماهي القوانين والأنظمة مع مصالح الكبار، بالتزامن مع تعاظم ثروات أصحاب السلطة. اليوم كما أمس كما في المستقبل، العونيون كما حركة أمل وحزب الله والمردة والإشتراكي، كذا الأحزاب اليسارية الصامتة عن كل ما يحدث... كلّهم "حريريون".




هناك تعليق واحد: