13‏/2‏/2013

تجّار أم رجال دين؟


رشا أبو زكي 
السلطة بيد الأقوياء. وفي لبنان، أقوى الأقوياء هم أصحاب الثروات، يضاف إليهم رجال الدين وأولياء الطوائف. ثالوث مقدس. يدافع عن سلطته بكل ما أوتي من قوة تأثير دينية على رعاياه، وقوة تأثير تشريعية ومالية. الشعب اللبناني، يكرس طغيان هذا الثالوث، يكرس وجود لبنان في حلقة اقتصادية واجتماعية مفرغة ويكرس هجرة شبابه بحثاُ عن عمل خارج جحيم الثالوث هذا. والتكريس هذا يتم بطريقة مباشرة عبر انتخاب ممثلي الشعب في البرلمان، الذين يسنّون تشريعات معظمها لمصلحة الأثرياء. أما الطريقة غير المباشرة فهي الضرائب والرسوم التي يدفعها اللبنانيون لتحسين الخدمات العامة، فإذا بالسلطة التنفيذية تقتطع من هذه الإيرادات لتمويل المؤسسات الطائفية والدينية. 
هل يعلم اللبنانيون مثلاً أن الموازنة العامة تدفع لرجال الدين ثمن تنقلاتهم، وثمن البنزين الذي يستهلكونه سنوياً، ثمن الاتصالات الخلوية واللاسلكية، ثمن وضع اعلانات وتوزيع مطبوعات، لا بل ثمن "أعمال إضافية" وأعياد وتمثيل؟ هل يعلم اللبنانيون أن دراسة جديدة أعدها الدكتور جاد شعبان تشير الى أنهم يدفعون سنوياً أكثر من 22 ملياراً و500 مليون ليرة لرجال الدين لكي يقوموا بإجراءات الزواج والطلاق، التي من المنطقي أن تكون مجانية؟ لا بل هل يعلم المواطن اللبناني أنه إضافة الى هذه الأكلاف يدفع 27 مليار ليرة من ضرائبه الواردة في الموازنة العامة لكي تقوم المحاكم الدينية بإجراءات الزواج والطلاق نفسها. لتصبح النتيجة أن 49 ملياراً و500 مليون ليرة سنوياً تدفع لرجال الدين كأجور "مبحبحة" لكي يقوموا بإجراءات الزواج والطلاق. 
أما المفارقة، فهي أن الممتنعين عن إقرار الزواج المدني بمبررات لا أساس دينيا لها ولا منطقيا، يوافقون على أن تكون المخصصات المقتطعة من الموازنة العامة، ممولة من الضرائب والرسوم المفروضة على المشروبات الكحولية والعاب القمار. ألا تعتبر هذه المخصصات حراماً؟ كذلك، وبينما ترزح غالبية المواطنين تحت عبء الضرائب يشرّع القانون اعفاء كل طائفة معترف بها في لبنان والاشخاص المعنويين التابعين لها من الضرائب والرسوم أسوة بالمؤسسات العامة، كذا، يعفى رجال الدين من الضريبة على الدخل مثلاً. 
عملية دعم رجال الدين وإحكام سيطرتهم على اللبنانيين من قبل السلطة السياسية لا تتوقف على المخصصات هذه. إذ أن الدولة اللبنانية ومن ضمن الموازنة العامة أيضاً تدفع أكثر من 167 مليار ليرة سنوياً لمؤسسات تعليمية خاصة تنتمي الى جهات سياسية ودينية. وتعلّق دراسة للأمم المتحدة تحت عنوان "نحو دولة المواطنة" على هذا الإنفاق: "الأهالي الذين يُلحِقون أطفالهم بمثل تلك المدارس، قد لا يدركون أن الحكومة هي التي تموّل تعليم أطفالهم، لا الطائفة الدينية التي تدعي قيامها بذلك".
هذه المليارات التي ينفقها اللبناني من جيبه ليؤبد النظام الطائفي ويمنع الإنتقال الى الدولة المدنية، تعود عليه بخسائر فعلية. خسائر قدرتها دراسة سابقة لشعبان بـ 3 مليارات دولار سنوياً، بحيث أن "أي مولود لبناني أكان اسمه محمد أو جورج، يدفع ما لا يقل عن 114 ألف دولار على مدى حياته بسبب الطائفية". كذا، تشير دراسة للخبير الاقتصادي سمير مقدسي وماركوس ماركتانر تحت عنوان «لبنان في فخ التوافقية»، الى أن كل لبناني مقيم في لبنان يخسر سنوياً أكثر من 23500 دولار من دخله بسبب سياسات التقاسم الطائفي، أي إن دخل الفرد في لبنان كان يمكن أن يكون أعلى بنحو 2000 دولار شهرياً لو أن النظام السياسي بُني على أساس ديموقراطي. 
أرقام قد تظهر بعض الأسباب التي تدفع عدد من رجال الدين الى إصدار فتاوى ضد من يريد ان يتزوج مدنياً، وضد من يدعم هذه الإرادة. أسباب تعيدنا الى ما جرى في أيلول الماضي، حين  قررت "القمة الروحية الإسلامية ــ المسيحية" دعم الهيئات الإقتصادية في حربها ضد إقرار سلسلة الرتب والرواتب. حينها، اعتبرت القمة أن انهياراً اقتصادياً سيعم لبنان في حال تم تصحيح أجور أساتذة لبنان ومعلميه والعاملين في القطاع العام.
ربما، آن الأوان ليخرج عدد من رجال الدين عن صمتهم. ربما، آن الأوان ليحجزوا كرسياً لهم في الهيئات الإقتصادية. حقهم، أليسوا أصحاب مؤسسات كبرى؟ أليسوا تجار دين؟ 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق