28‏/2‏/2013

الجمهورية المصرفية اللبنانية

رشا أبو زكي - جريدة المدن
اللبنانيون محكومون بالمصرف. العبارة هذه ليست "كليشيه"، وإنما واقع مفروض على كل مواطن منذ ولادته وغالباً حتى مماته. الدين العام الذي يحاصر إقتصاد لبنان ومواطنيه 80% منه للمصارف الخاصة التي تُقرض الدولة في مقابل فوائد مرتفعة جداً بكل المقاييس. فوائد تدفعها الدولة من الضرائب والرسوم المباشرة وغير المباشرة المفروضة على المواطنين أنفسهم، لتكون الحصيلة حوالي 14 ألف دولار دين في ذمة كل لبناني مقيم لمصلحة المصارف الخاصة. المديونية القسرية التي ترزح الأسر تحت عبئها تتعزز بقروض تطال كل تفاصيل الحياة. بدءاً بشراء المنزل مروراً بالأثاث والأدوات المنزلية والسيارة والكومبيوتر المحمول، وصولاً الى القروض الشخصية الصغيرة التي تستخدم غالباً لسداد ديون مستحقة. هكذا، تستحوذ القروض على أكثر من نصف مدخول الأسر، وأكثر. 
المعطيات الآنفة الذكر معلومة، يشعر بها اللبنانيون في كل لحظة، وعند آخر كل شهر. يشكون ارتفاع أسعار الشقق السكنية والعقارات. يشكون غياب التأمين الصحي الرسمي وارتفاع كلفة التأمين الصحي الخاص. يشكون كذلك من الوزراء والنواب الذين لا ينظرون إلى حالهم إلا في حال تقاطعت المصلحة ما بين حال المواطنين ومصالح السياسيين. ولكن، خلف هذه الشكوى معطيات أيضاً، معطيات مخيفة تؤكد أن فكرة ارتهان اللبنانيين للمصارف ليست قطعاً "كليشيه" وإنما واقع أكيد. يبيّن مجهود بحثي صغير أن المصارف نفسها تتحكم بالمضاربات العقارية في لبنان التي ترفع أسعار الشقق السكنية على المواطنين. كيف؟ تمتلك غالبية المصارف شركات أو غالبية الأسهم في الشركات العقارية الكبرى، وتنفذ هذه الشركات كبرى الإستثمارات السكنية في لبنان، وتتحكم بسعر كل متر مربع، ارتفاع اسعار العقارات ليس "تصحيحاً" كما يروّج المضاربون وتجار العقارات، وإنما قرار إقتصادي ومالي هدفه زيادة أرباح حفنة طبقية ضيقة، حفنة يشكل أصحاب المصارف ومساهموها جزءاً أساسياً منها.
جهد بحثي صغير آخر يُظهر كذلك أن غالبية المصارف اللبنانية تمتلك شركات تأمين خاص، وما تبقى من الغالبية يتعاون مع شركات التأمين مقابل عمولات مرتفعة لمصلحة المصرف. هكذا، تمكن معرفة سبب ارتفاع كلفة التأمين في لبنان، والمصب النهائي لأرباح شركات التأمين، ومن هذه المعطيات يمكن التكهن بأحد أسباب عدم إقرار الضمان الصحي الشامل لجميع اللبنانيين. 
فلنتابع البحث، في مجالس إدارة المصارف وفي رئاسة مجالس الإدارة هذه، يجتمع عدد كبير من وزراء ونواب الأمس واليوم، وعدد من أبنائهم وأخواتهم وأمهاتهم وآبائهم، يجتمعون كمساهمين أساسيين في هذه المصارف. كلما ارتفعت أرباح المصرف، زادت ثروات هؤلاء، لذا فإن الحرص كل الحرص على إبقاء الأرباح مرتفعة، لا بل دفعها الى مزيد من النمو على حساب القاعدة الواسعة من اللبنانيين. 
أما عن ارتفاع أسعار المواد الإستهلاكية كافة، وسيطرة الإحتكار على أكثر من 60 في المئة من الأسواق اللبنانية، فلا يمكن ههنا القول سوى أن الإحتكار محمي، والحماة كثر، أنظروا الى الزعماء بألوانهم كلها، حدقوا جيداً، لا بد من أن تتعرفوا الى ملامحهم. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق