13‏/3‏/2013

خصخصة الفساد

http://bit.ly/WbeRbb
رشا أبو زكي - جريدة المدن08:57 م
حوالي 25 مليار دولار يدفعها اللبنانيون من جيبهم الخاص منذ منتصف التسعينات حتى اللحظة على مؤسسة الكهرباء. الفاتورة الإنفاقية هذه تشكل أقل بقليل من نصف قيمة الدين العام. كل هذا، والكهرباء دائماً "مقطوعة". يتحدث وزير الطاقة والمياه جبران باسيل كثيراً عن الهدر في الكهرباء، وعن الفساد والفاسدين والمعرقلين. يوجه أصابعه ضد المواطنين الذين "يسرقون" ساعة تغذية إضافية لإنارة منازلهم. يهوّل كل عام بـ"الصيف الحار"، يعلن في كل مرة أنه سيجترح "المعجزة" ويجعل لبنان "منوّر" 24 على 24 ساعة. نتيجة لذلك، تدور الصفقات، من البواخر إلى المعامل إلى شركات تقديم الخدمات في المؤسسة...
تفيد معلومات أكيدة من داخل المؤسسة أن شركات مقدمي الخدمات التي أصبحت تقوم بجباية فواتير الكهرباء من المواطنين عوضاً عن المؤسسة، تضع الأموال المجباة وهي بمليارات الليرات في المصارف الخاصة، تتقاضى الفوائد على المبلغ ومن ثم ترسل الأموال إلى مؤسسة الكهرباء. وتأكيداً، تم إجراء قطع حساب منذ أيام في مؤسسة الكهرباء، وتبين أن شركات مقدمي الخدمات لا تلتزم بمواعيد الدفعات الدورية للمؤسسة، ولا حتى بالنسب المحددة التي يجب أن تدفعها الشركات من قيمة الفواتير المحصّلة لمصلحة مؤسسة الكهرباء. تشير آلية الدفع إلى أنه على الشركات: "دباس"، "خطيب وعلمي" و"بيوتك" أن تدفع قيمة الفواتير التي تجبيها إلى مؤسسة كهرباء لبنان على 4 مراحل خلال 40 يوماً (في حال كانت الفواتير تجبى عن شهرين كما هو الحال فعلياً). إذ تدفع كل شركة كل عشرة أيام نسبا محددة من قيمة الفواتير تبدأ بـ20% في الأيام العشرة الأولى، ومن ثم 25% في المرحلة الثانية، 30% في المرحلة الثالثة، على أن تتم تصفية الفواتير كافة في الأيام العشرة الأخيرة. لكن، أياً من هذه الشركات الثالث: لم تلتزم بهذه الآلية، لا بل تبين بعد قطع الحساب أن شركة واحدة دفعت قيمة الفواتير، في حين أن شركتين لم تسددا حتى اللحظة 15 مليار ليرة من الفواتير لمصلحة مؤسسة الكهرباء! 
لا ينسى أحد الأزمة التي اختلقها وزير الطاقة والمياه جبران باسيل وتياره "الوطني الحر" خلال إضراب المياومين وعمال المتعهد في مؤسسة الكهرباء. حينها، كان للتحرك أسبابه: باسيل يريد إحلال شركات تقديم الخدمات محل المياومين وعمال المتعهد، بمعنى آخر يريد خصخصة قطاع التوزيع في الكهرباء. حينها، سمع اللبنانيون الكثير من الروايات من باسيل نفسه، أبرزها أن المياومين "زعران" ويحملون السكاكين بوجه موظفي المؤسسة، لا بل وصل الأمر حد إتهامهم بحمل الرشاشات، فانقض أحد مسؤولي التيار الوطني الحر زياد عبس على اعتصام المياومين بالحجارة... انتهى الإضراب، ودخلت شركات مقدمي الخدمات المؤسسة. الشركات، التي وعد باسيل أن عملها سيغيّر وجه المؤسسة وينظم آلية العمل فيها، جعلت المياومين "الزعران" مسؤولين وأصحاب مراكز إدارية ولوجستية فيها. أما عن التدريبات التأهيلية التي وعدوا بها، فكانت "كلام بكلام"، ليصبح "الزعران" بعيون باسيل "تحفة". وأصبحت الشركات تقوم بالعمل نفسه الذي كانت تقوم به مؤسسة الكهرباء ومياوميها، لكن بكلفة مضاعفة. 
هكذا، كان يسوق باسيل وأنصار الخصخصة أن هذه الأخيرة هي الحل لمشكلة تهالك القطاع العام، ليتبين وبالشواهد الملحوظة أن إشراك القطاع الخاص يزيد من الهدر والفساد، وليتبين أيضاً أن المشكلة ليست بالقطاع العام وإنما بالقيمين عليه وبالأيادي السياسية التي تنهب الأخضر واليابس أكان عاماً أم خاصاً، وبالوزراء الذين يعتبرون أن وصايتهم على المؤسسات والمرافق العامة تعني أنها ملكية خاصة لهم، وبالمجلس النيابي الذي لا يحاسب ولا يسائل إلا من باب "الحرتقة" السياسية الظرفية، وطبعاً المشكلة الأساس هي غياب أو تغييب الرقابة المشددة على الإجراءات والمعاملات والصفقات. 
إذ يلحظ اللبنانيون وكذلك بعض أعضاء مجلس الإدارة في مؤسسة الكهرباء أن الأعطال التي كان يتم تصليحها خلال يومين، أصبحت تستلزم في عهد الشركات أسبوعين وأحياناً شهراً كاملاً. فقد كان من المفترض أن تؤهل الشركات قطاع التوزيع، فإذا بها تزيد من أكلاف الكهرباء من "كيس" المواطنين. كذلك، يتم تضخيم فواتير المعدات وأكلاف الإصلاحات التي تقوم بها الشركات لمصلحة مؤسسة الكهرباء. 
المخالفات لا تنتهي، والفساد لا ينحصر بعدم إلتزام شركات تقديم الخدمات بدفاتر الشروط المبهمة أصلاً، وبالعقود التي يظهر في بنودها وبوضوح تضخيم كلفة الأعمال التي تقوم بها الشركات. ربما، على باسيل أن يعقد مؤتمراً صحافياً يعلن فيه أنه يفرّط بحقوق اللبنانيين ومصالحهم، أن يقول أنه هدر الأموال على مشروعه الكهربائي بلا جدوى، أن يعترف مثلاً أنه قام بخصخصة توزيع الكهرباء في حين أنه لا توجد كهرباء. أن ينظر إلى عيون اللبنانيين جميعاً ويقول: "أعتذر عمّا اقترفت، ليأخذ القانون مجراه".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق