14‏/3‏/2013

تمويل المذهبية

http://bit.ly/ZCR6oX
رشا أبو زكي - جريدة المدن
 في بلد، تعتبر حالة السلم فيه عقدة بين حربين طائفيتين تنفق وزارة الشرون الإجتماعية فيه أكثر من مليار ليرة سنوياً على مؤسسات مهمتها تعزيز النفور المذهبي والطائفي بين السكان، والأهم أن وجودها وعملها يشكل بديلاً فئوياً من الدولة التي يتساوى فيها جميع المواطنين بالحقوق كما الواجبات. 
كثيراً ما يسمع اللبنانيون بجمعيات تسمى بـ"الخيرية"، معظم هذه المؤسسات ليست خيرية بالمرة. وإنما، تعتاش على أموال اللبنانيين التي يدفعونها كضرائب لتمويل الموازنات العامة، الحكومات هنا وسيط، تأخذ الضريبة بيد، لتدفعها إلى الجمعيات "الخيرية" باليد الأخرى. هكذا، يمول اللبنانيون من جيوبهم الخاصة دويلاتهم، وهكذا تعمد الحكومات المتعاقبة إلى تكريس التفرقة بديلاً من دولة المواطن.
في جلسته الأخيرة، أقر مجلس الوزراء مجموعة من القرارات المتعلقة بتمويل مؤسسات الرعاية الإجتماعية في لبنان. الكلفة الإجمالية للقرارات تصل إلى حوالي 128 ملياراً و674 مليون ليرة. قارىء الخبر لا بد أن يفرح، فالحكومة تنفق على الرعاية الإجتماعية، تساهم في خفض معدلات الفقر، تعمل على تحسين البيئة الإجتماعية للمواطنين. خطأ، بين 426 جمعية (وفروعها) استفادت من هذه الأموال، يوجد حوالي 241 جمعية مذهبية. أما ما تبقى من جمعيات، فبعضها القليل ملتزم بما يعلنه من أهداف، والغالبية إما موزعة سياسياً أو غائبة عن أهدافها كلياً. حتى أن أسماء بعض الجمعيات مدهش في خفّته. لا بل أن عددا لا يستهان به من الجمعيات لم يقم بنشاطات ظاهرة في الوسائل الإعلامية كافة. 
فقد وافقت الحكومة على تجديد اتفاقات المساهمة لرعاية تأهيل المعوقين للعام 2013. كلفة المساهمة 62 ملياراً و291 مليون ليرة، عدد الجمعيات المستفيدة 83 جمعية، بينها 42 جمعية مذهبية تستفيد بأكثر من 31 مليار ليرة من إجمالي الإعتماد، أي ما يوازي نصف الموازنة المخصصة للجمعيات المتخصصة بذوي الإحتياجات الخاصة. 
كما أقرت الحكومة طلب وزارة الشؤون تجديد اتفاقات "المساهمة للرعاية الإجتماعية للعام 2013". قيمة الإعتماد المخصص لهذا البند 58 ملياراً و780 مليار ليرة ويستفيد منه 154 مؤسسة وفروعها. تبين أنه يوجد في جبل لبنان 86 مؤسسة، ويرتفع العدد إلى 109 مؤسسات بعد احتساب الفروع، بينها 70 مؤسسة مذهبية.  أما في الشمال، فعدد المؤسسات 29، بينها 21 مؤسسة مذهبية. في محافظة عكار توجد 5 مؤسسات، كلها مذهبية. في البقاع 17 مؤسسة، بينها 15 مؤسسة مذهبية. في بعلبك الهرمل 7 مؤسسات، بينها 5 مؤسسات مذهبية. في النبطية 10 مؤسسات، بينها 6 مؤسسات مذهبية. بالمحصلة، تدعم الوزارة والحكومة اللبنانية  122 مؤسسة مذهبية من أصل 177 مؤسسة! 
وفي الجلسة ذاتها أيضاً وأيضاً، وافقت الحكومة على طلب وزارة الشؤون تغطية نفقات عقود مع الجمعيات الأهلية والدينية (وكأن ما سبق ليس مؤسسات دينية!) للعام 2013. قيمة العقود 5 مليارات و192 مليون ليرة مقدمة لـ 91 جمعية بينها 39 جمعية مذهبية.
كذلك، صرفت الحكومة ملياراً و599 مليون ليرة كمخصصات لـ"مشاريع مشتركة للخدمات الإجتماعي مع جمعيات وهيئات أهلية"، استفادت منها 21 مؤسسة مذهبية من أصل 36 مؤسسة. وكذلك، صرفت الوزارة 522 مليون ليرة تحت العنوان ذاته لـ11 مؤسسة بينها 3 مؤسسات مذهبية. إضافة إلى 79 مليون ليرة، تصرفها في مطلع العام لـ8 مؤسسات بينها 4 مؤسسات مذهبية. وكذلك، 211 مليون ليرة لـ20 مؤسسة بينها 10 مؤسسات مذهبية. 
هكذا أكلاف باهظة تدفع للجمعيات المذهبية سنوياً يمكن أن تؤسس لمراكز إجتماعية متخصصة تابعة للدولة، تسحب الغشاء عن عيون المواطنين بأن "الزعيم" يساهم في تعليم أولادهم أو في رعاية ذوي الإحتياجات الخاصة أو في بناء حائط هنا أو مدرسة هناك، في حين أن من يدفع هذه التكاليف هم المواطنون أنفسهم، من خزينة الدولة. وبرغم كل هذا العيب، يخرج المسؤولون ليتحدثوا عن دولة المواطنة، عن القضاء على الطائفية والمذهبية، لا بل تسود عبارة مضحكة حين الحديث عن إلغاء الطائفية السياسية مفادها: "يجب القضاء على الطائفية والمذهبية من النفوس قبل النصوص". حكومات وسلطات مهمتها تكريس المذهبية في النفوس، لا يعوّل عليها في تغيير النصوص. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق