20‏/3‏/2013

مافيا المال


http://bit.ly/15YwCfI
رشا أبو زكي - جريدة المدن
 كانت قبرص أمام خيارين الثلاثاء: إما إعلان الإفلاس والخروج من الإتحاد الأوروبي، أو القبول بشرط الإتحاد الأوروبي وهو فرض ضريبة على الودائع المصرفية وزيادة الضرائب على الشركات من 10% إلى 12,5%، في مقابل تقديم خطة إنقاذية أوروبية  بقيمة 10 مليارات يورو. الضريبة على الودائع التي جاءت تصاعدية وفق قيمة الوديعة، لاقت اعتراضاً من الشارع القبرصي كون نسختها الأولى تتضمن شمول المودعين الصغار في الإجراء. جاء الرد سريعاً لإحتواء الغضب، بحيث تم إجراء تعديل موضعي فتم إستثناء الودائع المصرفية التي تقل عن عشرين الف يورو من الضريبة، في مقابل إبقائها 6,75 في المئة على الودائع التي تراوح بين 20 الفاً و100 الف يورو، ونسبة 9,9 في المئة على الودائع التي تفوق مئة الف يورو. ليعود الإتحاد الأوروبي ويعلن، تحت ضغط الشارع القبرصي، موافقته إعفاء كافة الودائع التي تقل عن 100 ألف يورو من الضريبة. 
لكن الإعتراض الشرس جاء من أصحاب المليارات طبعاً. رئيس جمعية المصارف اللبنانية وهو أيضاً رئيس اتحاد المصرفيين العرب جوزف طربيه رَأَس معركة المتمولين العرب. أما روسيا (التي يتماهى بعض اليساريين مع مواقفها في مسلسل الحنين للإتحاد السوفياتي) فقد أشعلت كل النيران. ثار رئيسا الجمهورية والحكومة والكرملين ووزير الخارجية في وجه القرار القبرصي، معلنين الرفض المطلق للمشروع، ملوحين بسحب الودائع الروسية الضخمة التي تتعدى الـ 35 مليار دولار. كان لسان حال الأثرياء يقول: لتعلن قبرص إفلاسها، فليخرب الإقتصاد، فليمت الناس، فلترتفع ضرائب الإستهلاك على القبرصيين، فليفنَ الكون... ولكن ممنوع الإقتراب من ودائعنا، ولا من المصارف، ولا طبعاً من مافيات المال التي تتخذ السرية المصرفية في قبرص كما في لبنان ملاذاً خارج المساءلة والحساب. 
هذا الموقف من الضريبة القبرصية يردنا إلى لبنان، إلى اقتراح زيادة الضريبة على الفوائد المصرفية بنسبة 2 في المئة. الإقتراح الذي أسقطته جمعية المصارف وحاكم مصرف لبنان ورئيس الحكومة من موازنة العام 2012، ومن اقتراحات تمويل سلسلة الرتب والرواتب مؤخراً.
الفارق بين الضريبة القبرصية وتلك اللبنانية كبير، إذ أن الثانية ستطال أرباح المودعين والمساهمين في المصارف التي يحصلونها من الفوائد على الودائع، ما يعني أن نوع الضريبة هنا يختلف عن تلك القبرصية في الإستهداف والقيمة. وقد عمدت جمعية المصارف بالاتفاق مع مصرف لبنان إلى إقناع وزير المال محمد الصفدي بتشطير الضريبة على الفوائد المصرفية بما يضمن تحييد أصحاب الودائع الضخمة. كيف؟ جرى الإتفاق على أنه في حال تم السير في هذه الضريبة، يجب أن يتم التشطير وفق المدة الزمنية للوديعة لا قيمتها. بذلك، ترتفع الضريبة على الوديعة التي ينتهي أجلها في عام، وتنخفض تدريجياً وصولاً إلى الصفر على الودائع الذي ينتهي تاريخها في فترة تزيد عن السنتين. بما يعني إعفاء ودائع الأثرياء من الضريبة في مقابل رفعها على متوسطي الدخل وما دون. علماً أن المصارف الخاصة لها ودائع في مصرف لبنان، وبالتالي هي مودع دسم، يخاف طبعاً من اقتطاع نسبة من أرباحه كإجراء يحصل في جميع دول العالم ضمن سياسات العدالة الضريبية.
وكما في قبرص، كذلك في لبنان، تعمد جمعية المصارف وكبار الأثرياء ممن يعرفون بالهيئات الإقتصادية، إلى رفض إقرار سلسلة الرتب والرواتب التي تعتبر حق لا يمكن التفاوض عليه من قبل موظفي وأساتذة ومعلمي القطاع العام. وكما في قبرص، لسان حال أصحاب المليارات واحد: فليتعطل البلد، فليتوقف التلامذة عن الدراسة، فليبقَ أساتذة لبنان في الشارع مبحوحة أصواتهم، فلتقم القيامة، ولكن ممنوع المس بالأرباح. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق