21‏/3‏/2013

اللحى الإقتصادية


http://bit.ly/13fBteM
رشا أبو زكي _ جريدة المدن
أكثر من 15 ألف رافض للسياسات الحكومية الإقتصادية والإجتماعية تجمعوا في مكان واحد وزمان واحد. في محيط القصر الجمهوري كانوا يعبرون عن قرفهم، يصرخون، يغنون، يرقصون كفعل عصيان على ساسة البلد وأتباعهم. شعارهم واحد: "نحن شعب يستحق الحياة". والشعار هذا حمّال أوجه، في ظل تصاعد المنطق السلفي والأصولي منحدراً نحو أصله الدموي. كذا، في الشعار آلاف المطالب الإجتماعية والإقتصادية، التي يمكن اختصارها بعبارة "الحق في حياة لائقة"، حيث الأمان الإجتماعي والمعيشي والصحي والإقتصادي... لكن، وعلى الرغم من جدية طروحاتهم وإصرارهم على قلب طاولة إرتهان الحكومة إلى الهيئات الإقتصادية، يشكّل المتظاهرون في المنطق الحسابي 0.36 في المئة فقط من اللبنانيين. أين الـ 99.64 من اللبنانيين؟ هل هم فعلاً مرتاحون إلى أوضاعهم الحياتية؟ الصورة تؤكد أنهم خارجها، والإحصاءات تؤكد أنهم متضررون من السياسات الإفقارية، لكنهم استسلموا لواقعهم. 
في المقابل، نجد مشهداً مغايراً. صورة تجمع بضع مئات من المتمولين، من كبار التجار والمستوردين وأصحاب المصارف والمعالي والسعادة، متضامنين على رفع شعار مقابل: "نحن فئة تحتكر الحياة". كلمات هؤلاء محددة: "نحن لا ننهزم، نحن على حق، مصالح ربنا الأخضر فوق حق اللبنانيين بالحياة...". إنهم أصحاب اللحى الإقتصادية. أصوليون في إبقاء المجتمع اللبناني تحت خبث الفقر والهجرة والموت. سلفيون في إعادة لبنان إلى مرحلة ما قبل تاريخ تحرر الشعوب من غلبة الأقلية على الأكثرية. ناقمون على كل من يرفع مطلباً محقاً. يسوقون نظريات خارج سياق زمن الربيع العربي، يرفعون صوتهم بعبارة "نحن نُطاع ولا نطيع". هؤلاء يشكلون حوالي 3 في المئة من اللبنانيين، ولكنهم متضامنون من رأس هرمهم إلى القاعدة. في يدهم قوة الرفض والقبول، صحيح، ولكنهم لم يستسلموا أمام معرفة واقعهم. 
في التجربة التاريخية التي نعيشها اليوم، يمتهن سيف السلفيين والأصوليين قطع ياسمين الربيع العربي وقطف ورود التغيير من جذورها. إلا أن هؤلاء يتحولون يوماً بعد يوم إلى نكتة سمجة، تُضحك سكان الأرض من عقولهم المتحجرة، ويحركون فئة إضافية من المتضررين منهم، ضدهم. وصولاً إلى تحجيمهم. لبنان، لم تصل إلى هوائه رائحة الياسمين بعد، برغم قرب الحقول، سبقتها سيوف المتحجرين، فأصبح يستورد ويصدّر وينتج سلفيته المحليّة. وكما في السياسة كذا في الإقتصاد. يضحك الكون من أصحاب اللحى الإقتصادية، ولبنان يشذب لحاهم، يشحذ سيوفهم ويفلتهم على "الغالبية". والإعتراض؟ بيد 0.36 في المئة فقط من سكان لبنان، ما يجعل من أمل تحجيمهم ضرب خيال.
ليس من السهل التعميم والقول أن ما شاهده اللبنانيون في تظاهرة "هيئة التنسيق النقابية" هو الوجه الحقيقي للبنان. ملامح هذا الوجه تكاد تصبح مبعثرة إلى حد التشوّه. من ينظر إلى هذا البلد من بعيد لا يجد فيه نقطة أمل. مقاييس النظر الخدّاعة يمكن أن تجعل الإحباط مطلقاً. يمكن أن تمحي بطرفة عين بريقاً كان يلف القصر الجمهوري يوم الخميس. قرب البريق يجتمع كل الوزراء، بكلَحهم، بفسادهم، بلامبالاتهم، بشخصنتهم المسؤولية العامة لتصبح خاصة وأحياناً عائلية. تضيع هذه النقطة البيضاء في بحر من العبث. 

هناك تعليق واحد: