7‏/4‏/2013

جريمة مالية

http://bit.ly/Zrpd9I
رشا أبو زكي - جريدة المدن 
6 أشهر تفصلنا عن الموعد المحدد دستورياً لتحويل موازنة العام 2014 الى مجلس النواب، في حين أن موازنة العام 2013 لا تزال تحت حكم الأخذ والرد. 6 أشهر هي المهلة التي تأخرت فيها الحكومة الحالية على ارسال موازنة العام 2013 الى مجلس النواب، والفترة مرشحة للإزدياد مع استقالة الحكومة والبدء باستشارات تشكيل حكومة جديدة... الجريمة المالية مستمرة. والإنفاق خارج أي قاعدة دستورية أصبح قاعدة. 
تشدد المادة 83 من الدستور على أنه "كل سنة ، في بدء عقد تشرين الأول، تقدم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة نفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة ويقترع على الموازنة بندأ بنداً". وكتاب "الإبراء المستحيل" الذي يرفعه العونيون في وجه رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة، يتضمن هجوماً على السنيورة لمخالفته المادة 83 من الدستور، بعدما كان يصرف نفقات من خارج الموازنة. كل ذلك، ولا تزال موازنات الأعوام 2006 حتى 2012 بلا إقرار بسبب عدم تقديم اي تدقيق علمي للحسابات المالية للدولة اللبنانية منذ العام 1993، مع وجود الكثير من الملاحظات والقرارات القضائية التي تشكك بصحة هذه الحسابات. لا بل أن بعض هذه القرارات يحجب صفة "الحسابات" عن البيانات المالية المتوافرة.
ما العمل اذن؟ هل يبقى لبنان بلا موازنة تارة بسبب تقاعس وزارات المال المتعاقبة عن الالتزام بالموعد الدستوري لإحالتها الى مجلس النواب، وتارة بسبب عدم القدرة على اجراء قطع حساب لها حتى لو استلمها مجلس النواب بسبب اشكالية الحسابات المالية؟ 
خلال السنوات الماضية، شهد لبنان بحكومته وبرلمانه محاولات للإضاءة على الخلل المالي الحاصل. رفعت لجنة المال والموازنة شعار "شمولية الموازنة وقانونيتها". تحدث وزراء المال السابقون والوزير المستقيل محمد الصفدي عن محاولات للتدقيق في الحسابات المالية. لكن، كل المحاولات دخلت الزواريب السياسية، وكان من الواضح أن لا قرار سياسياً قد اتخذ لحل هذه المسألة. والقرار السياسي يعني توافق الطوائف والمذاهب اللبنانية وزعاماتها على تدقيق الحسابات ومحاسبة المسؤولين في حال وجود اختلالات مقصودة في البيانات المالية وصولاً للخروج من نفق الضياع إلى نور إقرار الموازنات السابقة. 
عقدت لجنة المال والموازنة لهذه الغاية أكثر من 54 جلسة مخصصة للبحث في الأموال العامة، كيف أنفقت ومتى وأين تم تسجيل هذه النفقات. تم تشكيل لجنة فرعية والتوصية بلجنة لتقصي الحقائق. كل ذلك انتهى الآن. وضعت المخالفات في كتاب. وزّع الكتاب، ولم يحرك ساكناً.  كذا، وعد وزير المال محمد الصفدي بإنجاز تدقيق الحسابات المالية قبل نهاية العام الماضي. انتهى العام، ولم تر الحسابات النور. 
إنه القرار السياسي إذن. القابضون على السلطة ومفاصلها يريدون أن تكون الأموال العامة فوضى. يريدون أن يكون لبنان البلد الوحيد في العالم بأسره الذي تنفق حكوماته أموال الشعب بلا أي موازنة تفصل آلية الإنفاق وتحصيل الإيرادات. إنه القرار السياسي ذاته الذي يريد تأبيد النظام الإقتصادي الريعي بكل الظلم واللامساواة الناجمين عنه. والرابط بين عدم اقرار الموازنة والنظام الإقتصادي القائم شديد التعقيد. فالموازنة العامة تضبط حركة الأموال العامة وطرق توظيفها اجتماعياً واقصادياً. من الموازنة يمكن اكتشاف الإصلاح المالي من عدمه. العدالة الضريبية من عدمها. الإنماء المتوازن من عدمه. توسيع قاعدة الإنفاق الإجتماعي من عدمه. رقابة الشعب اللبناني عبر برلمانه على بنود الموازنة من حيث المصادقة عليها وإقرارها قبل المباشرة بصرف الأموال العامة، من عدمها. وطبعاً إعادة الإعتبار للرقابة القضائية من خلال الإمتثال لملاحظات وقرارات ديوان المحاسبة، من عدمها... 
انها المخالفات الدستورية المستمرة، والمخالفات القانونية المستمرة. معارضة الأمس استلمت السلطة، ولم تخرج من سياق المخالفات. طرفا النزاع أثبتا أنهما لا يختلفان بشيء في إدارة البلاد إقتصادياً ومالياً. أثبتا أنهما يريدان عن قصد السطو على القانون وتعمية اللبنانيين عن حقوقهم. الفارق الوحيد بينهما 6 أرقام تفصل بين 8 و14. أرقام تعني لبنانياً تعميم ثقافة الفساد وتكريسها عرفاً دائماً. 
 
 

هناك تعليق واحد: