9‏/4‏/2013

إنساننا بلا قيمة

http://bit.ly/ZfCZ9n
رشا أبو زكي - جريدة المدن 
أربعة أخبار كانت تحتل الشاشات ومواقع التواصل الإجتماعي اليوم الثلاثاء: الإعتداء على العمال السوريين في بعض المناطق اللبنانية. إذلال نقابيين في سبينس. وفاة شاب في عكار نتيجة التسمم، إضافة إلى شكوى "إم سيمي" (شخصية طرابلسية اخترعها الزميل صهيب أيوب) من غلاء المعيشة وارتفاع سعر باقة البقدونس إلى ألف ليرة. حالات مؤسفة، مهينة ومؤلمة تختصر لبنان سياسياً، نقابياً، رقابياً ومعيشياً. حالات تشي بأن السلطة اللبنانية بحكومتها المستقيلة وبرلمانها الصوري ورئاسة جمهوريتها الغاشية وأجهزتها الرقابية الغافية معطوفة على شعب مستقيل من مهام الإنفعال العقلاني، كلهم لا يعترفون بأي قيمة للإنسان. الإنسان كما هو، كقيمة بحد ذاتها.
لمن تُرفع رايات العنصرية ضد النازحين والعمال السوريين؟ ضد من؟ ضد نظام قتل أكثر من 100 ألف من شعبه؟ ضد فئة من المعارضين التي تسرق ثورة حرية إلى منعطف لاإنساني؟ ضد من تقام تحركات في لبنان تذل الشعب السوري أكثر، بعد 40 عاماً من ذل المخابرات، وأعوام من ذل العصابات والمتطرفين الإسلاميين؟ لِمَ إهانة الإنسان في كل عامل سوري؟ هؤلاء، المتساوون مع من يقوم بإذلالهم في الفقر وفقدان الأهل، هؤلاء هم ضحية فئة من اللبنانيين تعتمر "طاسة" الحقد الأعمى. في موجة الحقد هذه، تغيب عن الشاشة أجهزة أمنية مهمتها حماية الإنسان، كل إنسان على الأرض اللبنانية، بلا تفرقة.
 
لمصلحة من يتم إذلال عمال سبينس الذين رفضوا هضم حقوقهم من قبل متمول نفوذه جليّ على السياسيين؟ ولمصلحة من يتم ضرب الحركة النقابية وكل أمل بالتنظيم النقابي من خلال نقابيين تهمتهما أنهما دعوا إلى تأسيس نقابة؟ أين وزارة العمل من حماية حق هؤلاء في التعبير؟ أين الإتحاد العمالي العام في الوقوف في وجه المعتدين على حق العمال في تحقيق مطالبهم؟ هنا، في هذه الحال أيضاً، الإنسان لا قيمة له، وحقوقه البديهية الوظيفية لا تجد من يرص الصفوف من أجلها. تغيب عن ساحات نضال عمال سبينس كل الأحزاب، اليمينية منها واليسارية، الطائفية منها والعلمانية. يحتضنهم القليل من الناشطين، لا يتعدى عددهم الـ 100 في أحسن تقدير. هؤلاء وحدهم من بين 4 ملايين لبناني يساندون عمال سبينس. 
 
أين قانون سلامة الغذاء؟ لماذا يموت اللبنانيون من التسمم بالمواد الغذائية الفاسدة؟ أين أجهزة الرقابة من هذا الموت؟ أين وزير الزراعة الذي لم يعمد حتى اللحظة إلى تحويل قانون سلامة الغذاء لإقراره برغم الوعود الكثيرة؟ أين وزير الإقتصاد ومديرية حماية المستهلك من الدفاع عن حقوق الأخير؟ أين محكمة المستهلك المتوقفة بقرار من وزير الإقتصاد؟ الشاب الذي توفي في عكار يوم الثلاثاء، هو ضحية هذا البلد، بسلطته ومواطنيه، ضحية استهتار الكل بالحياة، ضحية عدم تقدير أنفسهم كبشر لهم حقوق في مقابل واجباتهم ومن الواجبات الضريبية التي يدفعونها من عرقهم اليومي. لا بل يدفعون أكثر عبر ضرائب جائرة، وهم صامتون.
 
لماذا ترتفع أسعار السلع الإستهلاكية بشكل جنوني في حين أن لا أرضية إقتصادية أو مالية أو إجتماعية تدفع لهذا الإرتفاع؟ لماذا تشكو "إم سيمي" من فقر الحال وعدم قدرتها على تحضير وجبة صغيرة لها ولعائلتها؟ أين وزير الإقتصاد من تحديد هوامش الأرباح؟ أين الرقابة على الأسعار؟ أين حماية المواطنين من جشع التجار؟ وأين المواطنون من الدفاع عن حقوقهم؟ 
 
هذا البلد بكل تكويناته لا يعتبر الإنسان قيمة، إلا إذا ارتبط بطائفة أو مذهب أو حزب أو إذا كان متمولاً أو سياسياً. هنا، يمكن أن نشاهد الأخبار، ونجد أنه في يوم واحد انتهكت حقوق الإنسان  سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً ومعيشياً من دون أن يحرّك أحد ساكناً. مؤسف هذا النفق، مؤلم، ولا يترك للأمل مطرحاً، إلا في قلوب قلة قليلة من الناس، تصرخ وتهتف وتطالب، ولكن البلد لا يصنفها في فئة "الإنسان"، إنها أزمة تصنيف، في حين أن الحقيقة في مكان آخر، مكان نقيض، فكل من يقوم بهذه المخالفات أعلاه، هو من يجب أن تحجب عنه صفة الإنسان. 
 
 
 

هناك تعليقان (2):