7‏/5‏/2013

دولة أو إشتراك؟

http://bit.ly/10n2A0K
رشا أبو زكي - جريدة المدن 
 خلال سنوات متسارعة انشطر لبنان إلى جزئين: دولة ضعيفة بالمفهوم والمؤسسات والخدمات، تقابلها دولة أخرى بديلة هي "دولة الإشتراك". ومع الإنشطار هذا، بدأ المواطنون يشعرون بثقل العيش في دولتين ودفع فاتورتين عن كل خدمة من المفترض أن تكون عامة. العناصر التقسيمية لا تنحصر بالإقتصاد والمجتمع، إنما تطال تفاصيل التفاصيل في الحياة اليومية. دولة الفاتورتين استرسلت في استنزاف قدرات الشعب اللبناني. فقد احتل لبنان مراتب متقدمة عالمياً في مؤشرات الإنفاق على الصحة والتعليم والنقل والهاتف الخلوي والكهرباء والمياه من جيب المواطن نفسه. وفوق هذه "الإنجازات" العالمية، يتم تفريغ المؤسسات العامة وارهاقها بالتعاقد الوظيفي وإحلال الإدارات البديلة مكان تلك الأصيلة. المواطنون أصبحوا حاجة لاستمرار النظام القائم بكل سلبياته، والرسوم والضرائب غير المباشرة والتي لا تتسم بأي نوع من العدالة أصبحت الخزان الأساسي لزعماء وسياسيي البلد لتمويل انتخاباتهم وصفقاتهم وثرواتهم. وفوق كل هذه التعاسة المعيشية والإجتماعية، تحوّل المواطن اللبناني نفسه إلى سلعة أو آلة تضخ الأموال من الخارج لتزييت عجلة النظام الإقتصادي والحفاظ على ديمومته.
فقد اعلن البنك الدولي في تقريره الأخير أن لبنان احتل المرتبة 16 عالمياً والعاشرة بين الإقتصادات النامية لناحية حجم تحويلات المغتربين. وتم تصنيفه كثاني أكبر متلق للتحويلات بين 14 دولة عربية، وكثالث أكبر متلق للتحويلات بين 47 دولة تصنف ضمن الدول ذات الدخل المتوسط إلى المرتفع. أما حجم التحويلات التي تلقاها لبنان في العام 2012، فقد وصلت الى 7.47 مليارات دولار. 
يعتبر الإقتصاديون، خصوصاً الذين يعملون أو يشاركون في السلطة، أن حجم التحويلات هو مؤشر إقتصادي يشير إلى تعاف إقتصادي في حال ارتفع، وإلى تراجع اقتصادي في حال انخفض. ليصبح المهاجر أو المغترب اللبناني وحدة قياس إقتصادية محلية، لا من خلال استثماراته في البلد وإنما من خلال توزيع استثماراته المادية والذهنية في دول العالم وارسال عصارتها إلى لبنان.
في تحليل بسيط، يتبين أن المجتمع اللبناني كما النظام يتكبد أضعاف حجم التحويلات كنفقات مباشرة وغير مباشرة على تعليم الكفاءات اللبنانية. هذه الكفاءات التي تغادر لبنان الى دول أخرى، وتقدم لهذه الدول كامل مقدراتها، وترسل فتات هذه المقدرات وقيمتها إلى بلدها الأم.
اذ يقدر عدد المدارس الخاصة في لبنان بأكثر من ألف مدرسة تضم حوالي 510 آلاف تلميذ. يراوح القسط المدرسي على الطالب الواحد بين ألفين دولار و10 آلاف دولار سنوياً، بمتوسط 6 آلاف دولار على التلميذ. وبالتالي، ينفق اللبنانيون لتعليم أولادهم 3 مليارات و60 مليون دولار سنوياً، أي ما يعادل 46 مليار دولار لمدة 15 سنة من التعليم ما قبل الجامعي.
في حين يصل عدد التلاميذ في المدارس الرسمية الى 128 ألف تلميذ، ويكلف التلميذ الدولة حوالي 2.5 مليون ليرة، وفق تقرير المركز التربوي للبحوث والإنماء.  بذلك، تدفع الدولة 213 مليون دولار سنوياً على تلامذة المدارس الرسمية. أي ما يعادل 3 مليارات و200 مليون دولار خلال 15 عاماً من التعليم. (علماً ان دراسة الإحصاء المركزي عن التعليم في لبنان تقدر أن نسبة التسرب المدرسي بـ 9% من إجمالي أعداد التلامذة في المرحلة ما قبل الجامعية، وبالتالي تنخفض كلفة التعليم الرسمي على الدولة وفق هذا المعدل).
يضاف إلى هذه القيمة، كلفة التعليم الجامعي، إذ يوجد في لبنان حوالي 74 ألف طالب في الجامعة اللبنانية و100 ألف طالب في الجامعات الخاصة. تقدر دراسة مجلس الإنماء والإعمار (البرنامج التنموي 2006/2009) حجم الإنفاق على الطالب الواحد في الجامعة اللبنانية بـ 2.4 مليون ليرة سنوياً، أي يكلف طلاب الجامعة الدولة حوالي 118 مليون دولار سنوياً، أما العدد الوسطي لسنوات التعليم في الجامعة فهي 4 سنوات، لتصبح الكلفة ما يوازي 6400 دولار للطالب الواحد خلال المرحلة الجامعة، و472 مليون دولار على جميع الطلاب.
يضاف الى هذه القيمة ما ينفقه الطلاب في الجامعات الخاصة، اذ تراوح قيمة القسط السنوي بين 5 الى 20 ألف دولار (دراسة لمؤسسة مهنا)، أي بمتوسط حوالي 12.5 ألف دولار على كل طالب. بذلك ينفق الطالب في الجامعة الخاصة بمتوسط 50 ألف دولار لإنهاء رحلته الجامعية، أي ما يعادل 5 مليارات دولار في حال تخرج كل الطلاب من الجامعات الخاصة من دون تسرب ولا إعادة للصفوف. 
النتيجة التقديرية التي توصلنا إليها هي التالية: يدفع المجتمع اللبناني بين حكومة وعائلات حوالي 55 مليار دولار لتعليم دفعة طلابية واحدة فقط (19 سنة تعليم)، وبدلاً من الإستثمار بقدارتهم وكفاءاتهم وتوظيف الخريجين في عملية تنمية بلدهم، يقذف النظام الإقتصادي والإجتماعي هؤلاء إلى خارج لبنان لينتظر منهم عائدات تصل الى 7 مليارات دولار سنوياً. في المقابل، يستسهل النظام الريعي استبدال اليد العاملة اللبنانية بالأجنبية الأقل كلفة، ليدفع المجتمع اللبناني فاتورتين: فاتورة تعليم أبنائه، وفاتورة منعهم من تطوير هذا البلد وتحسينه. 
المجتمع اللبناني بكل تكويناته أمام خيارين: إما أن يصبح دولة، أو يبقى تحت سلطة الدولتين: الدولة والإشتراك. 
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق