21‏/5‏/2013

"حيطنة"

http://bit.ly/10T7By8
رشا أبو زكي - جريدة المدن 
مشاعية. لا حكومة، لا رئيس للحكومة، لا مجلس نواب. وقد سبق ومر لبنان بفترات متقطعة ومتعاقبة منذ العام 2005 حيث عاش بلا سلطات تحكمه وتسيّر أمور سكانه. خلال كل تلك الفترات عاش اللبنانيون بشكل"عادي". لم يشعر أي منهم بنقص في خدمة ما ولا حتى بأي غرابة تجاه واقع شعب يعيش بلا تشريعات وقوانين تجاري التغييرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية اليومية، وإن شعروا، فهم يلتزمون الصمت المطبق وكأن هذا الواقع قدر لا فكاك من أحكامه. 
منذ العام 2005، يعيش هذا البلد بلا موازنة عامة. يعمل اللبنانيون أو يهاجر شبابهم لتحويل أموالهم الى أهاليهم. يدفعون ضرائب غالبيتها جائرة. تصرف الحكومات الشرعية، وحكومات تصريف الأعمال، ما تجبيه السلطة من ضرائب ورسوم. تنفق هذه الأموال بلا أي رقابة مسبقة أو لاحقة، بلا أي جداول مصادق عليها ومعترف بها قضائياً من خلال ديوان المحاسبة أو مراعية لقانون المحاسبة العمومية، صرف لا يعرف آلياته سوى من يُنفق. كأن اللبنانيين آلات لا تشعر ولا تفكر، آلات تعمل وتنتج أموالاً بمليارات الليرات يومياً، يأتي الوزراء والنواب والرؤوساء ويجمعون من الآلات منتجها، يضعونه في جيوبهم لتتعاظم ثرواتهم. كل ذلك بالنسبة للشعب اللبناني "عادي".
تنقطع الكهرباء، تتعطل باخرة فاطمة غول، تنقطع المياه، تتوقف خدمات الاستشفاء، ترتفع الأسعار، تزيد حالات التسمم، تنتشر الأوبئة، يصور وزير الطاقة والمياه نفسه بطلاً كرتونياً، يجسد وزير الاتصالات شخصية "سوبرمان"، يتلفظ وزير الزراعة ببطولات وانجازات زراعية، يخرج رئيس الحكومة السابق بصك براءته من أموال الناس المهدورة، والناس في حضرة كل هذا الفساد "عادي".
مفهوم الكرامة الإنسانية في لبنان مؤدلج. زعماء المذاهب والمال يزرعون في عقل جماعاتهم أفكاراً تحولهم الى آلات فضائية عجيبة. الزعماء "الشيعة" يحصرون كرامة أتباعهم بالمقاومة وتحرير الأرض، ينتهي تحرير الأرض فيتم خلق مطارح جديدة للصراع على أراض أخرى. يتباهى أتباع هذه النظرية بأشرفيتهم، ويعتبرون أن لا شيء ينقصهم. وهم أنفسهم تنتهك كرامتهم كل يوم، من مالك البيت الذي يتسللون هرباً منه ومن "نقه" المتواصل لدفع الإيجار. من مدير المدرسة الذي يريد رفع القسط السنوي. من الإذلال على باب المستشفى، من الانقطاع الدائم للكهرباء وارتفاع كلفة المولدات الكهربائية، من المياه العكرة التي لا تصلح للاستعمال البشري... برغم ذلك، يهتف هؤلاء: "بالروح والدم" لمن ساوم على حقوقهم المدنية من أجل مشروع خارجي. ينظّرون في مفاهيم الكرامة، فاصلين بين حقهم المقدس بالحرية، وحقهم وحق أولادهم بحياة لائقة وطبيعية. إذ رغم تواجد حزب الله مثلاً في السلطتين التنفيذية والتشريعية، لم يعمد إلى تغيير مسار السياسات الاقتصادية والاجتماعية، لا بل وقف عدد من وزرائه مدافعين عن السياسات الحريرية رافضين أي طروحات تغييرية، مسببين زيادة الخناق على الحركة النقابية ودفعها أكثر نحو التسييس خلال تواجد وزراء الحزب في وزارة العمل، اضافة الى الدفع نحو الخصخصة خلال تسلمه وزارة الطاقة. والحال ذاته ينطبق على حركة أمل التي تشكل حالة كبيرة في الشارع الشيعي ويقدس هذا الشارع رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يعتبر رئيساً لمجلس الشعب أي البرلمان، والذي كان من المفترض أن يصون مصالح الناس ويراقب الحكومات ويضع حداً لكل حالات الفساد والصفقات، التي سيطرت على المشاريع، ان كان من ناحية البنى التحتية أو تلك الاجتماعية اضافة الى آلية ادارة الاموال العامة. 
أمّا زعماء السنّة فقد حوّلوا أتباعهم الى هتّافين. إذ سيطر تيار المستقبل على 4 ولايات للحكومة دامت 14 عاماً، وخلال فترة ولاية التيار ارتفع الدين العام اللبناني حوالي 38 مليار دولار. وقد سطر كل من الرؤساء الراحل رفيق الحريري وابنه سعد وفؤاد السنيورة، سياسات اقتصادية واجتماعية افقارية ترسخت في المنظومة الانتاجية للبلد، فازدادت الهوة الطبقية بين الفقراء والاثرياء الى حدودها القصوى. وسيطرت على مفاصل الاقتصاد مجموعة قليلة من اصحاب المصارف والمتمولين. وبرغم السياسة الاقتصادية والاجتماعية العدائية هذه، استطاع التيار أن يصبح الممثل الأول للطائفة السنية في لبنان، التي تضم عدداً كبيراً من الفقراء جلهم في الشمال. وغالباً ما يعلّق مناصرو التيار في بيوتهم صور الحريري الأب أو الابن أو حتى صورا للعائلة الحاكمة السعودية، ويكون سكان هذه البيوت من الذين يعانون من الفقر المدقع. الحال ذاته يتكرر مع أحد أثرى أثرياء العالم وهو الرئيس نجيب ميقاتي الذي لم يقم حتى اللحظة بأية مشاريع تنموية تطال أتباعه، برغم أن هؤلاء من أفقر الفقراء في طرابلس، وبرغم ذلك، لم يتمرد هؤلاء على زعيمهم، ولم يحاولوا تغيير واقعهم.
"لبنان الحر السيد المستقل" شعار يرفعه الزعماء المسيحيون، وتحت هذا الشعار تندرج أهداف الزعماء في تأبيد سيطرتهم على مفاصل قرارات الشارع المسيحي. يختلف أبناء الطائفة في ما بينهم بين مؤيد لرئيس القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس التيار الوطني الحر ميشال عون، وتصل الخلافات الى الاعتداءات المتبادلة، الا أن أحداً لا يسأل زعيمه عن سبب غياب الخدمات الأساسية عن حيّه مثلاً، وعن سبب ارتفاع الاسعار أو ارتفاع أكلاف السكن أو الفقر الذي يعشعش في أحياء كثيرة من النبعة الى برج حمود الى الاشرفية وصولاً الى عدد كبير من القرى المسيحية...
الشعب اللبناني وصل الى مرحلة "الحيطنة". مجموعة حيطان تعيش على أرض لا تنتج سوى الحروب. حيطان يعمّرها الزعيم، يصمم كل ما فيها، تتلقى منه كل الضربات ولا تصرخ. يتم تلوينها، وبعد أن يمر الزمن على اللون الأول تتلون بلون آخر. لا رأي لها ولا موقف. وبقرار من الزعيم يضعها في مواجهة حيطان أخرى. حجر يقاتل حجراً، ينتصر أحدهما وفي معرض تسجيل الانتصارات ترتفع يد الزعيم عالياً ويصرخ: انتصرت حيطاني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق