28‏/5‏/2013

ترشّحوا من جيوبنا!


رشا أبو زكي 
اليوم الإثنين آخر موعد للتقدم بترشيحات الدخول إلى جنة مجلس النواب اللبناني. في هذا اليوم تحديداً يشهد لبنان عدد من المحطات العجيبة، مواقف، تصريحات وأسماء مرشحة تجعل المرء يظن وكأنه في كابوس فعلي. كابوس فيه طرفان: السلطة والشعب، كلاهما يتناوبان على قتل ما تبقى من عقد اجتماعي، ويتناوبان على قتل ما تبقى من منطق يحكم سير الدول الطبيعية. فلنتفق، اليوم يظهر لبنان على طبيعته، بلد يقطع آخر خيط لأمل قد عقده البعض بأن تتوافر في هذا البلد شروط الحياة، أي حياة. 
فقد أعلنت الحكومة بعيد انتهاء جلستها يوم الأثنين عن تخصيص 22 مليار ليرة لبنانية لتمويل العملية الإنتخابية. مبلغ ستدفعه الدولة عبر سلفة خزينة، أي سيدفعه المواطن اللبناني مباشرة من جيبه ومن الضرائب الجائرة التي ينفقها في مقابل عدم حصوله على الحد الأدنى من الخدمات الإجتماعية الأساسية. في المقابل، ترشح الى الانتخابات أكثر من 630 مرشح غالبيتهم نواب سابقون، دفع كل منهم 8 مليون ليرة تتوزع بين: رسم الترشيح البالغ 2 مليون ليرة والتأمين النهائي الانتخابي البالغ 6 ملايين ليرة. بذلك يكون مجموع ما دخل الخزينة من جيوب المرشحين: حوالي 5 مليار ليرة فقط لا غير. هكذا، يكون مجموع ما سينفقه المواطنون ليمولوا ترشيح نوابهم 17 مليار ليرة! طبعاً لم ولن يصدر أي كلمة اعتراضية من المواطنين أجمعين، إلا ذهابهم في يوم الإنتخابات، إذا حصلت فعلاً، لإسقاط أوراق تحمل الأسماء نفسها التي تكررت طوال السنوات الأربع الماضية، تضاف إليها "تشكيلة" جديدة لا تخرج عن سكة المحادل، باستثناء قلة قليلة لا يتوقع أصلاً ان تنجح في الإنتخابات. 
اللبنانيون ينفقون 44 مليار ليرة عداً ونقداً لتأمين مقعد نيابي لعدد من النواب الذين لم يقدموا أي مشروع يراعي مصالح المواطن اللبناني خلال دورتي 2009 – 2013. نواب يعتبرون من الأكثر كسلاً في البرلمانات العالمية. إذ يفيد تقرير النائب غسان مخيبر حول فاعلية مجلس النواب من العام 1992 حتى العام 2010  أن النواب لا يقومون بواجباتهم من حيث تخصيص الوقت اللازم لدراسة وإقرار مشاريع واقتراحات القوانين. فقد بلغ عدد مشاريع القوانين المحالة بين عامي 1992 و2010 الى اللجان المختلفة ١٢٣ مشروعاً، واقتراحات القوانين ١٦٦ اقتراحاً. أما عدد المشاريع والإقتراحات المحالة الى اللجان المشتركة، فبلغ ٢٤ أي ما مجموعه  ٣١٣ مشروع واقتراح قانون ما زالت تنتظر الإنتهاء من مناقشتها واقرارها في اللجان النيابية المختلفة ومن ثم في الهيئة العامة، ويتوقع ان يزداد عدد هذه المشاريع بشكل ملحوظ عند ايجاد حل للمشاريع "العالقة بين الحكومة والمجلس" في شأن ما يقارب ٦٧ مشروع قانون واتفاقية دولية. أما عدد الجلسات التشريعية التي أقامها البرلمان اللبناني طوال فترة 18 عاماً فهي لا تتعدى الـ 4 جلسات في السنة! 
الشعب يموّل ممثلي الشعب. وفي عبارة "ممثلي الشعب" الكثير من المعاني. ممثل عن الشعب أي نائبه، هو الشخص الذي يقوم مقام من انتخبه. الممثل يشبه الشخصية الأصلية، يتشبّه بها، ويتطلب من هذا الممثل القيام بدوره بمهارة وإقناع، وإلا من المفترض أن تعترض الشخصية الأصلية على من يقوم بدورها. يتهرب غالبية اللبنانيين حين سؤالهم إن كان النائب الفلاني يمثلهم فعلاً، او يعبّر عنهم وعن مصالحهم، إن كان النائب غير معروف أو فاسد قد تجيب الغالبية بالنفي: "كلا لا يمثلنا". ولكن، إن كان هذا صحيحاً، من أين يأتي هؤلاء النواب؟ ألا يتدافع اللبنانيون على مراكز الإقتراع لإنتخابهم؟  نعم، كل الأسماء التي ستزيّن برلمان لبنان تمثل من انتخبها. تمثله في الفساد، في المذهبية والطائفية، في تغليب المصلحة الخاصة على العامة، في تبعيتها في غياب الحد الأدنى من المواطنية وغلبة الإستزلام إلى المشاريع الخارجية المختلفة. من سينجح في الانتخابات هو خير ممثل لمن انتخبهم. هو من دفع المواطنون 44 مليار ليرة لبنانية ليضمنوا له الراتب الذي لا يتوقف حتى بعد مماته، والوجاهة التي يحتاجها ليكرس نفسه زعيماً والمدخل الدائم لزيادة نفوذه وثروته. 
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق