4‏/6‏/2013

من بيروت..هنا باكستان


رشا أبو زكي08:26 م
أعلنت مؤسسة كهرباء لبنان معاودة الباخرة التركية "فاطمة غول" إنتاج الطاقة الكهربائية، بدءاً من الثامنة والنصف صباح الثلاثاء، حيث بوشر بإعادة ربط مجموعاتها تدريجاً بالشبكة العامة بعدما توقفت عن الإنتاج أواخر نيسان الماضي. ومن المتوقع أن يتم وضع كامل هذه المجموعات في الخدمة في الساعات القليلة المقبلة لتصل القدرة الإنتاجية للباخرة إلى نحو 180 ميغاوات... بيان صغير وبالمختصر المفيد أصدرته مؤسسة الكهرباء أوجز توقف باخرة الكهرباء عن العمل لأكثر من شهر ونصف الشهر. أما وزارة الطاقة والمياه وتحديداً وزير الطاقة جبران باسيل فلا يزال غارقاً في عتمة إخفاء الوقائع، برغم عودة "فاطمة" إلى النور. 
ماذا حصل خلال شهر ونصف الشهر من عتمة الباخرة؟ لا جواب من الوزارة. ما هي نتيجة التحقيق الذي بدأه التفتيش المركزي حول قضية توقف الباخرة عن العمل؟ لا جواب من الوزارة. لماذا لا يخصص باسيل أحد مؤتمراته الصحفية اليومية ليعلن فيه ما حدث في قضية الباخرة؟ لا جواب. والآن، العيون كلها تترقب وصول الباخرة الثانية. الباخرة التي من المفترض أن تصل في 12 حزيران، أي بعد 6 أيام بالتمام والكمال. ترى، هل ستصل في اليوم المقرر؟ أم سيتزامن هذا الموعد مع مبررات تأخيرية استباقية؟ وفي هذا الموضوع أيضاً، لا جواب. 
كتب الكثير وقيل الكثير عما حصل بين باكستان وشركة كارادينيز التركيية المالكة للباخرة. وقيل الكثير وكتب الكثير عن رسالة كان قد وجهها القنصل اللبناني في تركيا الى وزارة الخارجية اللبنانية في نهاية 2012 يحذر فيها من الدخول في أي صفقة مع كارادينيز نتيجة الشكاوى والدعوى القضائية التي رفعت بحق الشركة في باكستان في 2009 وصدر حكمها في نهاية العام 2012. إذ من المعلوم أن شركة كارادينيز صدر بحقها حكم قضائي في باكستان يدينها بالإخلال بالعقد الموقع مع الدولة الباكستانية إضافة إلى مخالفات وصفقات طالت وزراء للطاقة وعدداً من الموظفين والمستفيدين من الصفقات التي أدت إلى حصول الشركة على مبالغ لا تستحقها. الأهم، أن الشركة ذاتها كانت قد تحججت ببند ورد في دفتر الشروط مع الدولة الباكستانية يشير الى وجوب تأمين "نوعية الفيول المناسبة لتشغيل الباخرة". وبعدها توقفت عن انتاج الطاقة تحت مبرّر أن الفيول المستخدم ليس مناسباً، مطالبة بتعويضها عن الأضرار. هذه النقطة تحديداً أدت إلى فتح ملف فساد الشركة من قبل القضاء الباكستاني، وحجز باكستان على بواخر الشركة ومنعها من مغادرة المياه الباكستانية إلى حين دفع الغرامات... المبرر ذاته تكرّر في لبنان، وبعكس ما حصل في باكستان، لم يتم تحريك أي جهاز قضائي للبحث في قضية توقف باخرة "فاطمة غول". لا بل أن وزير الطاقة وهو المسؤول المباشر عن دفتر الشروط الموقع مع الشركة لم يصدر عنه أي كلمة توضح ما حصل، وذلك برغم أن كلفة استئجار البواخر هي 392 مليون دولار، وقد حصلت الشركة على الدفعة الأولى وهي بقيمة 126 مليون دولار، وهذه الأموال ليست مقتطعة من ثروة باسيل، وإنما من المال العام ومن جيب المواطن اللبناني الذي يستحق بيانا يوضح جدوى إنفاقه هذا المبلغ الضخم على باخرة تعطلت قبل أن تعمل.
فلنضع سيناريو مختلف لآلية تعاطي وزارة الطاقة مع فضيحة الباخرة. لنتخيل أن الوزارة قررت فرض غرامات بسبب عدم قيام الشركة بإمداد لبنان بالطاقة المتفق على حجمها في دفتر الشروط، ترى ما الذي يمكن تحصيله من الشركة؟ فقد أورد باسيل وفي معرض تسويقه لضرورة استئجار البواخر التركية، وفي معرض استنكاره للحملة التي طالت فكرة البواخر هذه، عدداً من الأرقام التي يمكن الرجوع إليها لمعرفة حجم الخسائر التي مني بها لبنان نتيجة توقف الباخرة طوال الفترة الماضية عن انتاج الطاقة. 
أشار باسيل في أحد تقاريره إلى أن أحد أهم الأسباب التي تستدعي استئجار البواخر هو توفير 180 مليون دولار على المواطنين اللبنانيين سنوياً (أكلاف الاشتراك بالمولدات). لذا يمكن القول ومن دون تردد أن توقف الباخرة عن العمل لمدة شهر ونصف الشهر زاد من الأكلاف الكهربائية على المواطنين بقيمة 22 مليوناً و191 ألف دولار. أشار باسيل خلال حديثه سابقاً عن البنود التي تحصن حقوق الدولة اللبنانية في دفتر الشروط أن كل نقص في انتاج الطاقة بنسبة 1% يكلف شركة كارادينيز 500 ألف دولار يومياً. وبما أن الباخرة توقفت عن تقديم 85% من انتاجها لمدة 46 يوماً، تكون كلفة الخسائر على الدولة اللبنانية بقيمة مليار و955 مليون دولار أميركي. وبما أن العقد غير معلن أمام اللبنانيين، يمكن أن تكون حقوق الدولة اللبنانية "المحصنة" بحسب باسيل محصورة باحتساب النقص في الانتاج بنسب مئوية غير محددة المدة الزمنية، بحيث يمكن اعتبار أن الغرامة المالية على توقف الباخرة عن تقديم 85% من انتاجها يشمل كل أيام التوقف من دون احتساب كلفة التوقف اليومية. ووفق السيناريو هذا تكون الغرامة الفائتة على الدولة اللبنانية بقيمة 42 مليون و500 ألف دولار. علماً أن الدولة اللبنانية أخذت على عاتقها تأخر الباخرة عن الوصول الى الشاطىء اللبناني ثلاثة أشهر، وقد أعادت ذلك إلى التأخر في سداد الدفعة الأولى للشركة، في حين كان باسيل قد أعلن أن غرامة كل يوم تأخير في وصول الباخرة الى لبنان قيمته 270 ألف دولار أميركي. 
على أي حال، وإن كانت الباخرة قد كررت ما فعلته في باكستان أو لم تفعل، إن كان دفتر الشروط يتضمن بنوداً تحايلية أو لا، لا بد من أن لا يمر هذا الملف من دون أي سؤال ومن دون أي توضيح من قبل وزارة الطاقة، بعد أن أصبحت عبارة "من بيروت هنا باكستان" جائزة الإستخدام. ولا بد بطبيعة الحال أن يكون هذا الملف خارج معادلة "لا غالب ولا مغلوب". الأموال العامة لا تحتمل تطبيق معادلات كهذه. 
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق