1‏/7‏/2013

المياومون:انتفاضة ثانية

رشا أبو زكي - جريدة المدن
4166

حسين علام خرج من المستشفى بعد إحراق نفسه وعاد إلى الإعتصام (المدن)

 















كان من المقرّر أن تنعقد جلسة مجلس النواب يوم الإثنين. كان من المفترض أن يتم تهريب مشروع قانون معجل مكرّر بتوقيع النواب: ابراهيم كنعان، علي عمار وعلي بزي، وبموافقة الأطراف السياسية الأخرى، يهضم كل حقوق مياومي مؤسسة كهرباء لبنان وجباتها. حوالي 100 يوم من الإضراب المفتوح، الذي هز لبنان في العام 2012 وشكل صفعة على وجه الحركة النقابية الهامدة، كان سيذهب هدراً. هكذا كانت الخطة التي تأجلت الى 16 تموز الجاري، أي الموعد الجديد لانعقاد جلسة مجلس النواب بعد أن قاطع عدد من القوى السياسية جلسة اليوم فسقط النصاب. المياومون احتشدوا في باحة مؤسسة الكهرباء منذ الصباح. كان من المفترض أن يكون تحركهم عادياً بعد أن تقرر تأجيل جلسة النواب. أغلقوا الطريق أمام المؤسسة، أشعلوا بعض "الكراتين"، والتقوا بعد فترة من الإنقطاع... إلا أن حسين علاّم قرر أن يشعل النار بنفسه. علّام ليس البوعزيزي، ولن يصبح كذلك في بلد يبيع به السياسيون الحجر كما البشر، ويلتزم المواطنون بيوتهم في حضرة أكثر من 2000 عائلة مهددة بالتشرد. فقد سبق أن أحرق المياوم علي عاصي نفسه في 30 أيار من العام الماضي بعد أن وصلت قضية التثبيت إلى حائط مسدود. حينها، لم يصدر عن الحكومة سوى اتهامات للمياومين بأنهم "زعران"، وحينها وجه وزير الطاقة والمياه جبران باسيل والنائب ميشال عون أسوأ أنواع التهم إلى المضربين عن العمل. 
ولمن لا يعرف علّام، هو أب لـ 4 أولاد، واحد منهم إسمه سيمون وهو شاب عشريني ترك الجامعة هذا العام ليساعد والده في تأمين مصروف العائلة، وبدأ العمل منذ شهرين في إحدى شركات مقدمي الخدمات. وعلّام كان قد أضرب عن الطعام خلال إضراب الـ 100 يوم، وتم نقله إلى المستشفى بعد أن تداعت حالته الصحية كونه يعاني من مرض السكري. وعلام يحمل بكالوريا فنية في الكهرباء، وكان يعمل في قطاع التفتيش في مؤسسة الكهرباء في دائرة الشياح منذ 15 عاماً، إلى أن وعدته، كما زملائه، القوى السياسية كلها أنه سيتم تثبيت المياومين والجباة في مؤسسة الكهرباء حين انجاز قانون التثبيت، على أن يعملوا في شركات مقدمي الخدمات إلى حينه. احترقت أجزاء من جسد علّام، ولكن "القادم أعظم"، يقول أحد المياومين "إن لم تنفذ مطالبنا سنحرق أنفسنا كلّنا، لقد وصلنا إلى مرحلة الإنهيار الفعلي". 
وفي عودة إلى أسباب التحرك، أعلن أكثر من ألفي مياوم وجابٍ أنهم قد بدأوا في 2 أيار 2012 التحرك من أجل تثبيتهم في مؤسسة الكهرباء، وذلك بعد اعلان وزير الطاقة والمياه تلزيم 3 شركات خاصة مديريتي التوزيع والانتاج وفق عقود موقعة مع مؤسسة الكهرباء تتيح للشركات صرف العمال خلال 3 أشهر من التجربة. وبعد بدء الإضراب المفتوح، تم تأليف لجنة مصغرة منبثقة عن اللجان النيابية المشتركة وتضم نوار الساحلي، ميشال الحلو، غازي زعيتر، ومحمد قباني، للإتفاق على صيغة للتثبيت. إلا أن جلسات اللجنة تأجلت أكثر من مرة بعد أن عمد النائب ابراهيم كنعان، ومن ثم النائب نوار الساحلي عرقلة اجتماعاتها. 
في 10 حزيران، وبعد أكثر من شهر من الإضراب المتواصل، انعقدت جلسة اللجنة الفرعية للمرة الثالثة بعد محاولتي انعقاد انتهت قبل أن تبدأ. إلا أن المفاجأة كانت في خروج اللجنة المصغرة بصيغة لتثبيت المياومين والجباة وفق المطالب التي حملها هؤلاء: مباراة محصورة لجميع المياومين في المديريات كافة والذين تتوافر لديهم شروط التثبيت، وتعويض من تخطّوا سن التقاعد ومن ستتخلى عنهم المؤسسة في حال لم ينجحوا في المباراة. وفي 14 حزيران، أقرت اللجان النيابية المشتركة صيغة التثبيت هذه، وقد تبقى امام عملية التثبيت قرار الهيئة العامة لمجلس النواب التي كان من المفترض ان تعقد بعد أسبوع من إقرار الصيغة... 
إلا أن القضية عادت إلى نقطة الصفر، وذلك بعد أن حوّل التيار الوطني الحر عملية التثبيت إلى قضية طائفية، فخرج باسيل ليعلن أنه يجب تحقيق التوازن الطائفي بين المسلمين والمسيحيين في عملية تثبيت المياومين، وتكتل مع التيار كل من حزب الكتائب والقوات اللبنانية. في 9 تموز أعلن مياومو بكفيا، عشقوت، بعبدات، زغرتا، البترون وجونية، أن تحرك المياومين عابر للطوائف، إذ قطعوا الطرقات وأقفلوا أبواب المؤسسة. في 17 تموز، أعلن المياومون حملة "الأمعاء الخاوية" مضربين عن الطعام. وبعد أيام نفذ التيار الوطني الحر مظاهرة في الأشرفية نحو مؤسسة الكهرباء، وتم الاعتداء على المياومين بالعصي والحجارة. 
بعد أيام، تم عقد "الإتفاق السياسي" بين وزير الصحة علي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين الخليل، ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية والوزيرين جبران باسيل ومحمد فنيش، بالتعاون مع الاتحاد العمالي العام وبسام طليس وعلي ياسين والمسؤول العمالي في حركة أمل علي عبد الله، ونظيره في حزب الله هاشم سلهب. وتقرر فك اعتصام المياومين والجباة في مؤسسة الكهرباء يوم 3 آب، على أن يتم حفظ تعويضات الجميع عن سنوات خدمتهم في القانون، وحفظ حق جميع المياومين في الشركة في مباراة التثبيت، وإجراء مباراة محصورة في مجلس الخدمة المدنية وفق القانون الذي سيصدر وبحسب ملاك المؤسسة وحاجتها وفق القوانين والأنظمة المرعية الإجراء. وقد شدد أعضاء اللجنة العمالية أنه سيتم اجراء الامتحانات خلال 7 أشهر من فك الاعتصام. 
إلا أنه منذ 4 أيام اكتشف المياومون أن كنعان وعمار وبزي أعدوا مشروع قانون معجل مكرر يحمل تاريخ 26 حزيران 2013، لا علاقة له بالصيغة التي تم اقرارها في اللجان النيابية المشتركة. يشرح رئيس لجنة متابعة قضية عمال المتعهد وجباة الإكراء لبنان مخول لـ "المدن" أن المشروع الجديد يمنع عن المياومين الحصول على التعويضات. ويسأل: "إن كانت عملية التثبيت تخل بالتوازن الطائفي في التوظيف فهل تعويضنا عن سنوات عملنا التي تتجاوز العشر سنوات وبعضها يصل الى 20 عاماً يخل أيضاً بهذا التوازن؟". ويلفت مخول الى أن المشروع الجديد يتضمن كذلك حرمان معظم المياومين من خوض المباراة كونها محصورة بالفنيين والاداريين، كما ينص على أن المباراة ستتم وفق حاجة المؤسسة لا وفق حجم الشغور الحاصل في المديريات كافة والتي تتخطى الـ 3 آلاف مركز شاغر في حين أن من يحق لهم خوض المباراة فعلياً هم 1600 مياوم. يشدد مخول على أن المياومين عادوا الى التكتل بعد أن ابتعدوا عن بعضهم خلال الاشهر الماضية، ويضيف: "هذا المشروع لن يمر، لم يبق لدينا ما نخسره، سنحتل المؤسسة سنوقف الشركات عن العمل سنفعل أي شيء لنحصل على حقوقنا". ويشير إلى أن من نزل اليوم الى التحرك هم من كل الاتجاهات السياسية، إلا أن السياسة ليست ضمن الأجندة المطلبية، لذا سيعود المياومون إلى التكاتف من جديد وهذه المرة لن يتوقفوا عن اضرابهم الى أن يتم تثبيتهم وإقرار التعويضات العادلة لمن لم يستطع أن يدخل الملاك. ويشدد مخول على أن المياومين لن يستمعوا الى الاتحاد العمالي العام بعد اليوم "مصلحتنا تقتضي أن لا نستمع للاتحاد، فقد جربناه". 
بدوره، يشرح المياوم أحمد شعيب الذي أصيب خلال محاولته إطفاء جسد علّام أن المياومين استطاعوا الحصول على نسخة من المشروع المعجل المكرر منذ 4 أيام، ومن حينها عادوا ولمّوا شملهم لمعاودة التحركات. يشير إلى أن الإتفاق السياسي الذي وافق عليه المياومون على مضض يشمل كل المياومين في المباراة المحصورة كما يقر التعويضات لكل من يرسب في الامتحانات على سنوات عمله في المؤسسة، إلا أن المشروع الجديد لا يشمل مديرية التوزيع التي تضم أكثر من 1100 مياوم من أصل 1600 يحق لهم المشاركة في المباراة، كذلك يحرم المشروع أكثر من 99% من المياومين من أي نوع من التعويضات برغم أن عدداً كبيراً منهم قضى أكثر من 10 سنوات في خدمة المؤسسة، وعدداً من المياومين قد تعرض للتشويه والإعاقة نتيجة الصعق بالكهرباء، في حين توفي أكثر من 17 مياوماً خلال مزاولة العمل. يؤكد شعيب أن المياومين يرفضون استغلال تحركهم سياسياً، ويشدد "لن نستمع إلى أحد نحن حزب المياومين وفي 16 الجاري سيشهد لبنان يوماً أحمر إلى أن ننال حقوقنا"، لافتاً الى أن الاتحاد العمالي العام لم يتصل بالمياومين اليوم ولم يسأل عن سبب تحركنا "إذ يبدو انه في غيبوبة". 
رئيس الإتحاد العمالي العام غسان غصن يرد على سؤال لـ"المدن" حول مسؤولية الإتحاد في قضية المياومين ومواكبته لتجدد التحركات حرفياً "اقتراح القانون المعجل المكرر يحوي بنوداً ملتبسة وغير واضحة، لقد حددنا ملاحظاتنا ورفعناها وفيها إصرار على ما جاء في الإتفاق السياسي". ولكن، حين السؤال عن "نون" الجماعة في عبارة "ملاحظاتنا" يعدّل غصن كلامه "أقصد لجنة متابعة قضية المياومين، هي من وضع الملاحظات ونحن كإتحاد عمالي نتبناها". إلا أن عدداً كبيراً من المياومين يؤكدون أن غصن لم يتصل بهم ولم يسألهم عن تجدد تحركهم ولا عن المستجدات التي طرأت على قضيتهم، لا بل يشددون على أن غصن لم يواكب أصلاً إضرابهم الشهير في السابق إلا في الأيام الأخيرة حين تم فك اعتصامهم، هنا يقول غصن للعمال الذي من المفترض أنه يمثلهم "هذا كذب، أعطني أسماء من قالوا هذا الكلام، انهم كاذبون لقد واكبتهم منذ اليوم الأول من الإضراب"(!).   
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق