4‏/7‏/2013

فلول لبنان


رشا أبو زكي- جريدة المدن07:48 م
أصل كلمة فلول هي "فل" أي الثلم في السيف، بمعنى آخر أن السيف أصبح بلا جدوى أو يحتاج إلى الصقل. أما المعنى المتداول للفلول فهو المنهزمون. إبان ثورتهم، أطلق المصريون هذه العبارة على أتباع الرئيس حسني مبارك، وعرّفوا الفلول بـ "أنصار النظام البائد". و"البائد" وفق المعاجم يعني الزائل أو المنقرض. وفق التعريف المصري المستحدث أصبح لا بد من إعادة تقويم مجتمعاتنا. فكل مجتمع في العالم يتوزع إلى فرق سياسية أو ثقافية أو اجتماعية. وعدد ليس بهيّن من أفراد المجتمعات يتماهون مع السلطة الحاكمة إن كانت على شكل حزب أو عقيدة أو عسكر، خصوصاً في الأنظمة التي تقوم على الإنتخابات الديمقراطية. ولكن هل يمكن اطلاق صفة الفلول على مناصري السلطات الحاكمة حين تخرج أحزاب أو ممثلو عقائد مدنية أو عسكرية من الحكم؟ طبعاً، الإجابة عن هذا السؤال مرتبطة بأشكال تغيير السلطات في الدول. إذ غالباً ما ينهزم حزب ما ومن ثم يعود عبر انتخابات لاحقة إلى الحكم، ما يسقط عنه صفة البائد، ويسقط عن أنصاره صفة الفلول. أما في حال اجتثاث الحزب أو أصحاب العقيدة من السلطة اجتثاثاً لا عودة عنه، حينها يمكن أن تصبح الصفتان متوافقتان مع الحدث. 
من الواضح أن الثورة المصرية أساسها إجتماعي- إقتصادي، أما شرارتها فسياسية وثقافية. فقد جاء الرئيس المخلوع محمد مرسي إلى الحكم في 30 حزيران 2012، وفي يده ما يعرف بخطة المئة يوم. خطة مؤلفة من 5 وعود تتضمن تنفيذ 54 إجراءاً هي بمثابة حلول لمشاكل: "المرور، النظافة، الوقود، الخبز والأمن". هكذا حاول مرسي اقناع المصريين بنفسه، من خلال خطة تتضمن 4 وعود اجتماعية – اقتصادية ووعد أمني مرتبط كثيراً بالوعود الأربعة الأولى. لم ينفذ مرسي سوى مسائل هامشية في البنود الخمسة لخطته. "مرسي- ميتر" يكشف أن المئة يوم مرت، ولم يشعر المواطن المصري بالتغييرات الموعودة (مؤشر "رضى الناس" اعتمد على استطلاع رأي 3 آلاف مواطن فقط). هكذا، عاد المصريون إلى الشارع، وأصبح في رصيدهم اسقاط ديكتاتوريين كان هاجسهما تعظيم ثروتهما على حساب جموع المصريين، الأول من خلال الجزمة العسكرية، والثاني من خلال العقيدة الدينية .
شتّان بين مصر ولبنان. "المرور، النظافة، الوقود، الخبز والأمن". شعارات صالحة جداً لكي ترفع في وجه السلطة اللبنانية بكل أركانها. فمنذ انتهاء الحرب الأهلية، يتوالى على الحكم في لبنان فريقان سياسيان يضمان سوياً حوالي 8 أحزاب سياسية مذهبية طاغية. ومنذ الحرب الأهلية حتى اللحظة، تزيد المؤشرات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والأمنية سوءاً. ليس اسقاطاً للقضايا، وإنما بحث في مدى هشاشة السلطة اللبنانية أمام أبرز المطالب الأجتماعية، إذ يتبين أنه منذ العام 1986، لا يزال مشروع تنظيم النقل العام بلا أي أمل بالإقرار، برغم أن هذا المشروع ورد في جميع البيانات الوزارية منذ الطائف حتى الحكومة الأخيرة. هذا وقد مر على وزارة الأشغال العامة والنقل منذ ذلك الحين كل من الأحزاب: الإشتراكي، تيار المستقبل، حركة أمل. 
أما موضوع النظافة والنفايات فهي كارثة ما بعدها كارثة، بحيث يعاني عدد من المناطق وخاصة صيدا وبرج حمود مثلاً من جبال النفايات، كما يعتبر هذا الملف كهف الصفقات التي تتجلى بعقود سوكلين. ومنذ الحرب الأهلية حتى اللحظة لم يتم إيجاد أي حل لهذه القضية. علماً انه توالى على وزارة الداخلية والبلديات ووزارة البيئة الأحزاب التالية: الإشتراكي، المستقبل، القوات، الكتائب، الحزب العربي الديمقراطي، تيار المردة.
أزمة الوقود في لبنان يمكن اعتبارها أزمة تاريخية. إذ لا يخفى على أحد أن عدم انشاء مصاف لتكرير النفط في لبنان، والتي من شأنها خفض الفاتورة النفطية الى مستويات قياسية تم تعطيلها لمصلحة كارتيل استيراد النفط الذي يضم غالبية الأحزاب اللبنانية. في حين أن ارتفاع اسعار المحروقات وزيادة ضرائب ورسوم على الصفائح التي يستخدمها المواطن اللبناني تشكل هاجساً شهرياً. ناهيك عن الغش والفساد في هذا القطاع. أما قضية وضع حد لأزمة الوقود فقد تقاذفها وزراء الطاقة والمياه على مر السنوات منذ مطلع التسعينات، وهؤلاء ينتمون إلى الأحزاب التالية: وعد، حركة أمل، التيار الوطني الحر وحزب الله.
الى قضية الخبز. شهد سعر الرغيف ارتفاعاً متتالياً منذ العام 2005، فزاد سعر ربطة الخبز حوالي 130% بحيث ارتفع سعرها من 1000 ليرة إلى 2000 ليرة. وانخفض وزنها من 1500 الى 1000 غرام. وقد شهدت عملية دعم الرغيف صفقات متتالية، وقد اعترف جميع وزراء الإقتصاد المتعاقبين بوجود فساد في القطاع روّاده كارتيل المطاحن وأصحاب الأفران. وبرغم ذلك لم يقم أيّ منهم بوضع حد لهذا الفساد، لا بل أن بعضهم أشار إلى أن الكارتيلات الطحينية أقوى من الوزارة. رُفِع سعر رغيف الفقراء، كما ترك الرغيف في ملعب فساد كان أبطاله وزراء الإقتصاد الذين ينتمون إلى الأحزاب التالية: الإشتراكي، تيار المستقبل، وحركة أمل.
أما الفلتان الأمني الكبير، فلا يسلم من تحريكه أيّ من الأحزاب الآنفة الذكر. 
5 قضايا فقط كان كفيلة باسقاط الأحزاب اللبنانية كافة المسيطرة على مفاصل السياسات الإقتصادية والإجتماعية، والتي تعمم الفساد والقهر على جموع اللبنانيين. إلا أن المواطنين، وبدلاً من أن يتمردوا على سياسييهم وزعمائهم الفاسدين، أصبحوا أذيالهم، لا بل يرفعون في كل محطة زمنية شعار "بالروح بالدم نفديك يا فلان". وفي الحالة اللبنانية، وكون المواطنين لم يصلوا بعد إلى مرحلة المواطنة، يصبح التمرد على السلطات واجتثاث الأحزاب التي أثبتت فسادها، كما حصل في مصر، ضرب خيال. هنا، يتحوّل الصراع من عمودي إلى أفقي، ليصبح احتراباً بين المذاهب والطوائف. الشعب والنظام في لبنان عنصران يتكاملان نهباً وصمتاً. يدعمان أنظمة، يصفقان لسقوط أنظمة، وفي يدهما قفازات بيضاء يخفيان بها قبضات يمكن أن تغيّر الواقع البشع، ويمكن أن يوضع بها أصفاد السجون. وإلى حينه، يبقى نظامنا ليس ببائد، وشعبنا اللبناني ليس فلولاً، نظامنا غولٌ وشعبنا يستمتع بحكم الغيلان.
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق