8‏/7‏/2013

حان وقت التضخّم


رشا أبو زكي3 م
في الشهر ذاته من كل عام يصل معدل تضخم الأسعار إلى مستويات قياسية. كأن رابطاً غيبياً يجمع ما بين هلال رمضان وسعر البندورة. وفي الشهر ذاته من كل عام يرضخ اللبنانيون لارتفاع الأسعار، ويصبح التبضع شراً لا بد منه. علاقة السوق مع الإستهلاك لا تنحصر بالعرض والطلب، وإنما تمتد إلى فضح بنية احتكارية تسيطر على الإقتصاد كله، تجعل من العادي غريباً، ومن النظرية الإقتصادية مجرد ثرثرة. ماذا يعني أن يرتفع سعر اللحوم بأنواعها بين 20 و30 في المئة في كل رمضان؟ ماذا يعني أن ترتفع كلفة صحن الفتوش مثلاً من 5 آلاف إلى 10 آلاف ليرة أقله؟ هل هامش ارتفاع السعر يبقى ضمن ميزان العرض والطلب؟ أم أن عوامل أخرى تتحكم بالسعر الإستهلاكي؟ 
لا شك في أن المعروضات المستهلكة في شهر رمضان لا تعاني من النقص، لا بل يشكو التجار من منافسة كبيرة من المنتجات المستوردة، وما لذلك من تأثير على ارتفاع حجم العرض في مقابل الطلب المتفاوت. إلا أنه في الحالة اللبنانية، يعمد التجار إلى رفع أسعار السلع كافة، محلية كانت أم مستوردة، حتى لو كان العرض يفيض عن الطلب. وتطال هذه العملية كل المنتجات الاستهلاكية، بحيث لا تقتصر الارتفاعات على الخضار والفواكه وإنما تشمل كل أنواع اللحوم الطازجة والمستوردة. وفي عملية التسويق، كذلك في الاستيراد والإنتاج، تتحكم الإحتكارات في مفاصل عملية تحديد الأسعار، وتنتظر مناسبات محددة مثل رمضان أو نهاية العام وغيرها من المحطات السنوية التي يرتفع فيها الاستهلاك، بحيث تعمد الاحتكارات إلى افتعال تضخم يفوق القدرة الشرائية للمواطنين على تحملها.  
برغم تكرار الحالة نفسها سنوياً، لم تعمد السلطة اللبنانية، بشقها الرقابي تحديداً، إلى فرض نوع من الضوابط لكي تحد من التضخم المصطنع. ومن المعلوم أن مهام مديرية حماية المستهلك في وزارة الإقتصاد تقتصر على مراقبة "إعلان" الأسعار، من دون الدخول في تفاصيل تحديد السعر. تحديد إطار الرقابة هذا لا يأتي من توصيفات إقتصادية معينة، ولا يعتبر نتيجة لإعتماد لبنان للإقتصاد الحر كما يسوّق وزراء الإقتصاد المتعاقبون والتجار والمعنيون بملف الأسعار، وإنما يشير إلى تعاضد عجائبي بين أركان السلطة الحاكمة من جهة وكبار التجار والمستوردين وأرباب الكارتيلات الإقتصادية من جهة أخرى. طبعاً هذا الإستنتاج ليس تحليلاً إسقاطياً، وإنما نتيجة مراقبة سلوكيات السلطة تشريعياً وإجرائياً على مدى السنوات الماضية.
في العام 2010 مثلاً، أصدر وزير الإقتصاد والتجارة (وزير المال حالياً) محمد الصفدي القرار رقم 277/1 الذي نشر في الجريدة الرسمية، وفيه تحديد لهوامش أرباح التجار بين 5 إلى 15 في المئة. إلا أن صدور قرار في لبنان لا يعني أبداً تطبيقه! في العام نفسه اعترضت الكارتيلات التجارية كلها على القرار، فتوقف العمل به قبل صدور تعاميم آليات التنفيذ. 
قبل ذلك بأعوام، في العام 2007 تحديداً، حول مجلس الوزراء مشروع قانون المنافسة (منع الإحتكار) إلى مجلس النواب. وكان من المفترض أن يكون هذا القانون أحد أكبر انجازات الحكومة والبرلمان على السواء. إلا أن المشروع توقف في لجنة الإقتصاد النيابية ولا يزال بلا إقرار حتى اللحظة. والسبب، لا يخفى على أحد: إنه حكم الإحتكار.
قبل ذلك بأعوام أيضاً، في 14 شباط 2002 تحديداً، أقر مجلس الوزراء مشروع قانون يرمي إلى إلغاء الحماية القانونية عن الوكالات التجارية الحصرية، وأحاله إلى البرلمان. بقي المشروع في طور النقاش لمدة سنتين، بعدها أقرته الهيئة العامة لمجلس النواب في العام 2004، ليعود رئيس الجمهورية آنذاك إميل لحود ويرده في نيسان 2006 الى لجنة الادارة والعدل، ويدخل في إطار الممنوع من الإقرار...
الأمثلة لا تنتهي، كلها تشير إلى أن التضخم وسيطرة قلة من التجار على لقمة عيش وحياة المواطنين أجمعين ليس صدفة، وإنما هو سياسة منمّقة ومنظّمة تتم بالتعاون مع الوزارات المتعاقبة، وطبعاً وفق قرارات تحظى بإجماع سياسي لا لبس فيه. رمضان إقتصادياً ليس سوى شهر التنفّع لدى قلة من المحتكرين، بمباركة سلطوية فاقعة. 
 

هناك تعليق واحد: