26‏/8‏/2013

يخرّبون ثم يستنكرون

http://bit.ly/14y6uJP
رشا أبو زكي - المدن 
  بعد إجتماع مطوّل و"طارىء"، خرجت الهيئات الإقتصادية ببيان مساء الإثنين. بيان صادر عن تجمّع يضم فئة أصحاب العمل في كبريات المؤسسات اللبنانية، ولكنه لا يحمل أية مطالب إقتصادية، ولا يحمل ولو رؤية واحدة يمكن أن تنتشل البلد من التدهور المعيشي والإجتماعي والإقتصادي الذي يعيشه. من السطر الأول حتى الأخير، ترمي الهيئات الإقتصادية كل "البلاوي" على الوضع السياسي والأمني. لولا التفجيرات، لولا الخلافات السياسية، لولا السيارات المفخخة، لكان وضعنا الإقتصادي "تمام". أما دعوة الهيئات لـ"الإضراب العام" في 4 أيلول المقبل، فهي متوقفة على تشكيل الحكومة قبل هذا التاريخ. 
هي كلمات متوقعة في بيان متوقع، فالمجتمعون لا يعتبرون أنفسهم جزءاً من الأزمة، لأن البلاد، وفق البيان، "احوج ما تكون الى حكومة، تعمل في الدرجة الأولى على ترسيخ الأمن والاستقرار، وتعالج الملفات الاقتصادية والاجتماعية العالقة". أما تهديد "بنية الوضع الإقتصادي"، فناتج فقط عن "الركود الذي تعيشه الأسواق من جهة، وغياب المستثمرين والسياح العرب والأجانب من جهة أخرى". هكذا، بكل بساطة، تخرج نخبة رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات بتحليلها السطحي الذي عقب اجتماعاً طارئاً بخلاصة مقتضبة: وجود الحكومة ومجيء السياح، سينزع عن "البنية الإقتصادية" خطر الإنهيار. 
قبل عام، وصل عدد السياح الى مليون ونصف المليون سائح، وقبل عام، لم يكن هنالك تفجيرات، حينها، كانت البنية الإقتصادية، وفق تصريحات الهيئات الإقتصادية، مهددة أيضاً. السبب ليس سياسياً وإنما معيشي ومطلبي. فقد كانت هيئة التنسيق النقابية التي تطالب بإقرار حقها الطبيعي بسلسلة الرتب والرواتب "تهدد" بنية اقتصاد الأثرياء. والتهديد هنا يعود الى مطالب تمويل السلسلة من فتات الفتات الذي تحصله المؤسسات الكبرى من أرباحها المهولة. ومنذ فترة، أعلنت الهيئات الإقتصادية أن إضراب واعتصامات أساتذة لبنان وجميع موظفي الإدارات العامة والوزارات والتي طالت أشهراً عديدة "لا يهدد إقتصادنا بقدر التهديد الذي سينتج عن إقرار سلسلة الرتب والرواتب". الهيئات الإقتصادية هي من أضعف قوة الإضراب، أي إضراب، وهي من اعتبرته شأناً فئوياً لا وزن له في إقرار السياسات أو فرضها. وهي من اعتبرته في إحد بياناتها مهزلة ولا يؤثر على السياسات العامة في البلاد. فما الذي دفع الهيئات للتلويح بالإضراب وليوم واحد، باعتبار أنه تحرك ضاغط؟ يمكن الإعتبار أن لجوء الهيئات للإضراب، يأتي في سياق مقولتها الشهيرة رداً على الحكومة التي أبدت نيّة في إقرار السلسلة: "نحن نُطاع ولا نطيع". وكأن سياسيّي لبنان وخلافاتهم، والمفجّرين وعبواتهم، وتدخلات العالم بهز الرأس صعوداً أو نزولاً للموافقة على تشكيل الحكومة اللبنانية من عدمها، كلها ستذعن وترتبك وتعلن الوئام فوراً لأن الهيئات الإقتصادية تهدد بالتوقف عن العمل يوماً واحداً.
أمّا عن الأزمة الإقتصادية، فتشريحها ليس من مهام الهيئات التي ترفض حتى الحديث عن أزمة بنيوية تعصف باقتصاد لبنان منذ سنوات طويلة والتي تهجر الشباب وتدمر القطاعات المنتجة وتجعل من لبنان جزيرة معزولة عند كل أزمة. ولا من مهام الحكومة الرافضة لأي تغيير في النظرة الى الاقتصاد والمجتمع، كونها خاضعة للهيئات، فيما جزء من وزرائها أعضاء مستترون وعلنيون في تجمع الهيئات. ولا من مهام المصارف التي تمتص ايرادات الدولة كلها لتغذية أرباحها، عبر تمويل الدين العام بفوائد ذات نسب قياسية. ولا من مهام التجار الذين يعتبرون أن اقتصاد لبنان يدور حولهم ومن أجلهم. ولا من مهام الصناعيين الذين يتهافتون على الإحتكار لتصغير السوق وضمان الهيمنة عليه. ولا من مهام المستوردين الذين يغرقون الأسواق اللبنانية بوكالات حصرية وشبه حصرية، مفتعلين نسب تضخم قياسية تخفض من القدرة الشرائية والانتاجية والاستثمارية في آن... تشريح الأزمة الإقتصادية مهمة محصورة بالمواطن اللبناني، الخاضع لكل هذه المنظومة، يحللها، يفككها، ويعود عنصراً غير فاعل إلا بالإستهلاك. 
انتهى البيان. المسؤولون عن الأزمة الإقتصادية في لبنان يستنكرون وجود الأزمة. تماماً كرؤساء الحكومة والجمهورية ومجلس النواب وزعماء الأحزاب أجمعين، الذين يخلقون الأزمة السياسية ومن ثم يشجبون تعاظمها. تماماً كما وزراء الداخلية والدفاع والمسؤولين الأمنيين الذين يأسفون لوجود أزمة أمنية. تماماً كما رجال الدين الذين يضخون سموم التفرقة في عقول اللبنانيين ومن ثم يدعون إلى "وأد الفتنة". هي الفوضى، وهو بلد يسيطر عليه مسؤولون "شغلتهم" تخريب كل شيء، وبعدها يلبسون ربطات العنق ويقولون: لم يتبق أي شيء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق