28‏/8‏/2013

حرب بين مافيات الحرب

http://bit.ly/15kkEde
رشا أبو زكي - المدن 
 منذ انتهت الحرب الأهلية، تموضعت المليشيات في خنادق الإقتصاد. فقد شهدت فترة التسعينات إعادة توزيع لمرافق الدولة، باعتبار أنها مغانم حرب. ومع استمرار الوصاية السورية على لبنان، بقي جزء من هذه المغانم مرصوداً لأركان الوصاية، ليصبح احتلال الادارات والوزارات والسيطرة على آلية الإنفاق وعوائد المشاريع الكبرى التي أعقبت حرباً أهلية مدمرة، واقعاً مدموغاً بأعراف تحولت بدورها إلى ما يشبه القوانين الملزمة. وفي ظل السيطرة المطلقة على القطاع العام، ونتيجة تهالكه بفعل تحويله إلى صندوق صفقات مالية ومركز توظيف للأحزاب، ونتيجة ضعف الخدمات العامة المقدمة للمواطنين، خلقت المليشيات سوقاً موازية تقوم على الأعمال غير القانونية، والتي تؤمن الربح السريع وتراكم الثروات، بموازاة احتواء الجماعات اللبنانية الموزعة مذاهب، عبر مجموعة من الخدمات المباشرة التي تخص أكثر الحاجات المعيشية طلباً من المواطنين.
ومنذ انتهاء الحرب، سعت المليشيات إلى تحويل نفسها إلى مافيا متوائمة إقتصادياً ذات رؤية احتوائية واحدة، برغم الخلافات السياسية. هكذا، أصبحت هيكلية المجتمع اللبناني مربوطة من أسفلها إلى أعلاها بحزام مصلحي واحد، تعقده مجموعة من المسيطرين على السلطة السياسية والإقتصادية، ولا تفكه أي قوة خارجة عن هذا الوثاق. كون القوة المفترضة هذه، ضعيفة حكماً أو مرتهنة أو تابعة كهوامش سياسية لأصحاب القرار الفصل. تحت هذا الواقع، أصبح المواطنون اللبنانيون بسوادهم الأعظم مرتبطين بشكل مباشر بحكم المافيات، وموافقين على كل تدابيره العدائية تجاه مصالحهم، وأحياناً مصفقين لهذه التدابير. من المواطنين ما يدين للزعيم بوظيفة، وآخرين بمخصصات انتخابية، وآخرين بخدمات اجتماعية تبدأ بالإنفاق النقدي المباشر وتصل إلى الإستشفاء والدواء والتسويات العقارية والضريبية وغيرها. 
لم تعد حالة التمذهب الديني مجردة عن العائدات النقدية والعينية والمعنوية التي يتلقاها المواطن، إذ تحولت إلى أسلوب حياة يومي، يفيق فيها الطفل من نومه، يأكل من مال الوظيفة التي أمنها الزعيم لوالده. يذهب إلى المدرسة التي أنشأها الحزب أو الكنيسة أو المرجع الديني. يستخدم القرطاسية التي وزعتها الجمعية المذهبية. يتلقى الدروس الدينية و"المدنية" التي تشكّل وعيه الفئوي. يدخل وأهله إلى المستشفى التابع للجهة الدينية أو الحزبية، أو عبر وساطة الزعيم. يحصل على الكهرباء والمياه والقنوات الفضائية من الشخص الحزبي الذي يمتلك المولد الكهربائي في منطقته. يحصل على المحروقات والخبز والمواد الغذائية والسيارات من المستورد الذي يكون الزعيم شخصياً أو شخصاً يستفيد هو الآخر من رأفة الزعيم. يقترض من مصرف يساهم فيه الزعيم، ليشتري بيتاً تسوق له الشركة العقارية التابعة للزعيم. وإذا أراد الترفيه عن نفسه، يدفع تذكرة الدخول إلى البحر الذي سرقه الزعيم. أما اذا تعرقلت معاملاته، فيتصل بالزعيم لإجراء التسوية أو تمرير الصفقة... وحين ينجب طفلاً يطلق عليه اسم الزعيم. 
وفي حين تدخل الزعامة في حياة اللبناني بشكل محكم، تقرر ميليشيات الحرب التي تسيطر على السلطة آلية عمل الإقتصاد اللبناني. إذ من الغريب أن لا يعمل أي زعيم سياسي – مذهبي – طائفي – عسكري، برغم الثروات الطائلة، على إنشاء معمل أو مشروع يمكن أن يشغل الشباب في مناطق الأطراف مثلاً. وليس في الغرابة عجب، كون تحقيق الإستقلالية المادية للمواطنين يكسر بعضاً من السيطرة الزعاماتية على الأفراد، إن كان من ناحية خفض التذلل والتبعية للحصول على وظيفة عامة ذات مدخول منخفض يزيد من نسبة الفساد الإداري وتدمير القطاع العام، أو من ناحية خفض سطوة المقابل المالي للتفرغ في الأحزاب والمشاركة في قطع الطرقات والأعمال الحربية، أو من ناحية خطورة خلق حلقة إنتاجية من الممكن أن تتطور إلى حالة اعتراضية مطلبية أو نقابية في وجه الزعيم. وتستتبع الحلقة الإقتصادية الزعاماتية بإقصاء وتجريد الحالة الإعتراضية من قوتها، عبر السيطرة شبه المطلقة على القرار النقابي كما هو حاصل في ما يتعلق بالإتحاد العمالي العام، وفي تقويض الحركات العمالية والمطلبية، كما حصل مع عمال "سبينس" والمياومين وهيئة التنسيق النقابية. 
وبعد، لماذا تعتبر الهيئات الإقتصادية إذن، أن حالة الحرب التي نعيشها والتي تتطور يومياً معادية لمصالحها، فتدعو إلى الإضراب والتحرك مطالبة بتشكيل حكومة قبل الإنهيار التام للدولة؟ الأسباب كثيرة، وهي لا تتعلق حصراً بانخفاض العائدات الربحية لأصحاب المليارات في المصارف والشركات العقارية. فمنذ العام 2005، تغيّر عدد من ركائز الوثاق الذي يربط هيكل الإقتصاد اللبناني. وفي ظل محاولات التيار الوطني الحر الاستحواذ على القرار الإقتصادي الذي سيطر عليه تيار المستقبل بقرار من الوصاية السورية، أعادت الحكومة الأخيرة توزيع المغانم بشكل ممنهج على التيارات السياسية المشاركة فيها، ومددت شرايينها أكثر في صلب الأسواق كافة على حساب طبقة رجال الأعمال الجدد والكارتيلات المافيوية التي تشكلت في مرحلة ما بعد الحرب. وهم بطبيعة الحال يدورون في فلك تيار المستقبل وحلفائه. واستمرار واقع اللاحكومة، أو بالأحرى تثبيت حكومة تصريف الأعمال بقواها السياسية والحزبية كواقع مفروض في حال وقوع الإنهيار التام للدولة، سيجعل من الحرب المقبلة ساحة توزيع جديدة لمغانم الحرب، وسيكون فيها المقصيون سياسياً، مقصيّين إقتصادياً عن الإفادة من انتعاش سوق الحرب. وكيف إذا كان النفط والغاز جزءاً من المغانم المقبلة؟
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق