31‏/8‏/2013

دولة الرقيق

http://bit.ly/1475RbO
رشا أبو زكي - المدن
الإتجار بالبشر يتمدد في القطاع العام اللبناني. عمال يباعون ويشترون ويتنقلون بين متعهد آخر، كسلعة لا رأي لهم في نوع عملهم وحجم حقوقهم ولا يكون لهم أي رأي حتى في اختيار صاحب عملهم. تطلق الإدارات العامة على عملية تلزيم العمال للمتعهدين صفة: "المناقصة"، إلا أن من ينظر إلى سير العملية بعين القانون والمعايير الإنسانية لا يمكن أن يصنفها سوى تجارة رق. إذ كانت مؤسسة الكهرباء تضم العام الماضي حوالي 2300 مياوم، تم إجبار حوالي 1900 مياوم على الإختيار بين البطالة أو العمل في شركات خاصة تعاقدت معها وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان، فذهب مئات المياومين الى الشركات الخاصة، في حين بقي 420 مياوماً في مؤسسة الكهرباء خاضعين لعملية بيعهم من قبل المؤسسة إلى المتعهدين. وكذلك، تضم مستشفى رفيق الحريري 650 مياوماً، لا يتمتعون بالحد الأدنى من الحقوق، يضاف إليهم 500 مياوم في أوجيرو، 270 مياوماً في الريجي، أكثر من ألفي مياوم في الوزارات، و1600 مياوم في مؤسسات المياه... وحوالي 200 مياوم في الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي الذي من المفترض أن يكون راعي حقوق العمال والموظفين! 
حالة عمال الكهرباء تختصر واقع الرق في لبنان. فالـ 470 مياوماً يعيشون حالة الرق بكل تجلياتها البشعة. هم مملوكون بكل ما للكلمة من معنى من قبل مؤسسة كهرباء لبنان. الأخيرة، تقوم كل عام تقريباً بمناقصة لاستدراج عروض شراء هؤلاء المياومين من قبل متعهدين. والمتعهدون عبارة عن شركات لا تقوم سوى بإدارة عمل المياومين مقابل ملايين الدولارات المدفوعة من إدارة الكهرباء. وهكذا، يتنقل مياومو الكهرباء بين متعهد وآخر في كل عام، ويخضون لمزاجية المتعهدين إن كان في تحديد إمكان حصولهم على إجازات من عدمها، ضمان إجتماعي من عدمه، منح مدرسية من عدمها... وفي كل مرة، يدخل مياومو الكهرباء هؤلاء في الحرب التي تدور بين المتعهدين الذين يحاولون الحصول على الصفقة، فيكون المياومون دوماً كبش محرقة.
فقد كان مياومو الكهرباء خاضعين لشركة متعهد اسمها "ترايكوم" خلال العام الماضي. انتهى عقد "ترايكوم" في 29 تموز 2013، وفازت شركة أخرى بما يعرف بالمناقصة. إلا أن هذه الشركة لم تتسلم إلتزامها، ففي حين وافقت إدارة مؤسسة كهرباء لبنان على ملفها، عمل مياومو الكهرباء على تبيان الحقيقة، وهي أن هذا الملف يشوبه الكثير من العيوب الفنية والتقنية والقانونية. وصلت الشكوى إلى مدير الإستثمار والصيانة في وزارة الطاقة غسان بيضون عبر الإعلام وعبر عدد من المياومين، ليصدر بعدها قرار وزير الطاقة برفض المتعهد، والتوصية بإجراء "عقد مصالحة" تقوم على أساسه شركة ترايكوم بمتابعة عملها إلى حين إجراء "مناقصة" أخرى... 
إلا أن لعقد المصالحة أيضاً مخاطر على حقوق المياومين – الرق. إذ كيف لهؤلاء أن يحصلوا على إجازة سنوية في حين أن متعهده القديم (ترايكوم) انتهى عقده قبل حصولهم على الإجازة؟ وكيف يمكنهم الإفادة من الإجازة في ظل عقد مصالحة ينتهي فور انتهاء المناقصة الجديدة؟ كيف سيحصل هؤلاء على المنح المدرسية، وخصوصاً أن هذا الشهر هو شهر "الميم" الذي يغوص فيه اللبنانيون بأقساط المدارس والمازوت والمونة؟ هل سيتم إلغاء اشتراكهم بالضمان في حال تأخر البت بالمناقصة الجديدة أكثر من 3 أشهر؟ أما السؤال الأبرز: من سيدفع لهم رواتبهم عن شهر آب، وهم حتى اللحظة يعملون بلا "رب عمل"، خصوصاً أنه خلال العام الماضي دخل مياومو "ترايكوم" في السيناريو ذاته بعد اشكالات اعترضت عملية تلزيمهم للمتعهد، فتقاضو راتب الشهر الأول من العمل مع المتعهد الجديد بعد ثلاثة أشهر من عملهم. وهنا، هل ستعطف مؤسسة الكهرباء على "رقيقها" فتدفع لهم الرواتب من صندوق المؤسسة إلى حين انتهاء صفقة تأجيرهم لمتعهد جديد؟ 
وبالتزامن مع هذه التساؤلات، وبعد منع المتعهد الذي فاز بالمناقصة الأخيرة من مزاولة إلتزامه، لا بد من مساءلة المراقبين الماليين في مؤسسة الكهرباء والتفتيش المركزي عن سبب تمرير ملف هذا المتعهد برغم كل الشوائب الموجودة في ملفه. كذلك، لا بد من سؤال عدد من المياومين عن سبب استمرار تقيّدهم بقرارات الفوضى والفساد التي يعممها عدد من المكاتب العمالية في الأحزاب اللبنانية. فالمكتب العمالي في حركة أمل مثلاً بيّن خلال كل الفترة الماضية اهماله لمطالب من أعلن يوماً أنه سيفك اعتصامه في المؤسسة نتيجة ثقته بإيصال الملف إلى مرحلة تثبيت كل المياومين. والمكتب العمالي في التيار الوطني الحر بيّن خلال عام كامل أنه غير معني بحقوق من طالبهم يوماً بالصمت وعدم المشاركة في التحركات لقاء تثبيتهم في المؤسسة. والمكاتب العمالية في حزب الله وتيار المستقبل وغيرها من الأحزاب أكدت وبأدلة قاطعة على أن مصالحها تتعارض بالمطلق مع مصالح المياومين. أما لجنة متابعة قضية عمال المتعهد وجباة الإكراء في مؤسسة الكهرباء، فقد غرقت في الشعارات الفارغة والتحركات غير المجدية والاستجابة لدعوات التفرقة بين المياومين للعب أدوار البطولة وفق مبدأ "فرق تسد". وهنا، لا حاجة للعودة إلى قصور الإتحاد العمالي العام عن القيام بدوره، فهو قد أثبت بالوقائع والبيّنات أنه ذنب السلطة لا أكثر. 
أما وزير الطاقة والمياه جبران باسيل، فقد أطلق على المياومين العام الماضي صفة "زعران" كونهم يرفضون دخول شركات مقدمي الخدمات إلى مؤسسة الكهرباء. ويوم الخميس وصف شركات مقدمي الخدمات بأنها فاشلة، فهل المشكلة بالمياومين، الشركات أم أن المشكلة ترتبط مباشرة بفشل في إدارة القطاع التي يعتبر الوزير من أبرز أركانها؟ 
لا بد من العودة إلى أصل المشكلة، والمشكلة في الأصل احترام حقوق الناس، كل الناس، حينها يمكن مطالبة الحكومة ووزرائها والنقابات واتحاداتها بالقضاء على الرق في الإدارات العامة، وكف يدهم عن تجارة الرقيق قولاً وفعلاً، والإمعان في غض الطرف عن أسواق النخاسة القائمة، لكي يخرج كل هؤلاء من لائحة التاريخ الأسود للبنان.  
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق