10‏/10‏/2013

ضحايا أم جناة؟

http://bit.ly/160M6OT
رشا أبو زكي - المدن 
مقالات، إعلانات، برامج إجتماعية، جمعيات، مؤسسات، حكومات، برلمانات، دول... كل الطرق التسويقية يجب أن توصل إلى الهدف: كيف يمكن تحويل الفقر إلى جريمة؟ كيف يمكن تبرير السياسات الإقتصادية والإجتماعية المنحازة إلى أقلية إجتماعية ثرية على أنها توازي الفقراء لؤماً إن لم يكن الأخيرون يتفوقون عليها في مستوى الأذى الذي يصيب المجتمعات. لا بل كيف يمكن  تجريد الفقر من مسبباته ليصبح مشكلة بذاتها تتطلب حلولاً مجردة هي الأخرى عن واقع السياسات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية المتبعة في البلدان؟ وضمن الماكينة التسويقية هذه، هل يمكن اعتبار من غرق في بحر أندونيسيا من أبناء قبعيت العكارية ومن نجا من رحلة الهجرة غير الشرعية ضحايا أم جناة؟ 
منذ سنوات، تشهد الدول النامية هجمة ضخمة من المنظمات الدولية تحت عنوان: "القضاء على الفقر". معادلات رياضية لا تنتهي تقيس معدل الفقر في كل بيئة اجتماعية. تحديدات كثيرة دخلت إلى مصطلح الفقر ليصبح "فقراً أعلى"، "فقراً أدنى"، "على خط الفقر"، "الفقر المطلق"، "الفقر المدقع" الفقر المزري" وغيره من القياسات التي تحوّل الفقر إلى آفة خالصة تحتاج إلى علاجات موضعية فتنتهي. شرذمة الصفة التعريفية للفقر أصبحت أيضاً كالموضة. في كل عام، يخرج تقرير بصفة تعريفية مختلفة: الفقر هو أن لا ينفق الفرد أكثر من دولار يومياً، دولارين، 3 دولارات... الفقر هو عدم تلبية الحاجات الأساسية للفرد، للأسرة، الفقر هو عدم القدرة على إشباع الحاجات الأساسية، الفقر هو نتيجة الدخل المنخفض... عدم الحصول على مكيف الهواء أصبح أيضاً من ضمن محددات الفقر، كذلك السيارة، الخلوي وغيره. تنتقد التقارير بعض السياسات التي تتبعها الحكومات، ليتبين أن جل هذه التقارير والدراسات ينفذها جهاز يضم ممثلين عن المؤسسات وممثلين عن الحكومة أيضاً. 
هكذا، أصبح الفقر سلعة، ضمن سوق إقتصادية عابرة للقارات بموازنات تقدر بمليارات الدولارات سنوياً، همّها قياس نسبة الفقر وحجمه وتمدده. أما سبب نشوء هذا الفقر، فهو تفصيل يمكن المرور عليه في سياق تحويل الفقر إلى مرض عادي، لا يستدعي القلق طالما ان مختبرات الحكومات المحلية والمؤسسات الدولية تخترع الدواء الذي سيقضي عليه. 
فلندخل إلى المختبرات، ونقرأ الأرقام التي توصلت إليها آخر الدراسات والتقارير التي تناولت قضاء عكار، لا بل تحديداً التي تناولت جرد القيطع التي تعتبر قبعيت من ضمنه:
1- تشير دراسة الإحصاء المركزي: الظروف المعيشية للأسر، أن 63 في المئة من من سكان عكار يعانون من الفقر، وفي هذا القضاء وحده يوجد 23.7% من اجمالي عدد الفقراء جداً في لبنان. تقرير مسح المعطيات الإحصائية للسكان والمساكن يشير إلى أن عكار تضم أعلى معدل أمية في لبنان: 30.5% من عدد سكان القضاء. أما معدل البطالة لدى الشباب فيحتل الصدارة أيضاً نسبة إلى المعدل العام: 34%. 
2- مختبر جرد القيطع يضم أرقاماً أنتجها مجلس الانماء والاعمار بتمويل من البنك الدولي . ﻭﻴﻘﺩﺭ ﻤﺘﻭﺴﻁ ﺤﺠﻡ ﺍﻷﺴﺭﺓ ﺒـ 7 ﺃﻓﺭﺍﺩ. ﺘﺸﻜل ﻨﺴﺒﺔ ﺍﻟﻨﺎﺯﺤﻴﻥ 26.5% ﻤﻥ ﺇﺠﻤﺎﻟﻲ ﻋﺩﺩ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ، ﻭﻴﻌﻭﺩ ﺍﻟﻨﺯﻭﺡ ﺇﻟﻰ ﺃﺴﺒﺎﺏ ﺇﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔ ﻭﻴﻤﺘﺩ ﺠﻐﺭﺍﻓﻴﺎً ﻤﻥ ﻤﻨﻁﻘﺔ ﺍﻟﻌﺒﺩﺓ ﻤﺭﻭﺭﺍً ﺒﻁﺭﺍﺒﻠﺱ ﻭﺼﻭﻻً ﺇﻟﻰ ﺒﻴﺭﻭﺕ. ﻭﺘﻁﺎﻭل ﺍﻟﻬﺠﺭﺓ ﺍﻟﺨﺎﺭﺠﻴﺔ 5% ﻤﻥ ﻤﺠﻤﻭﻉ ﻋﺩﺩ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ. 
3- سكان الجرد لديهم قلق دائم، والسبب خدمات من المفترض أن تقدمها الدولة اللبنانية التي ترفض إخراج القضاء من فترة القرون الوسطى: إذ ﻴﺸكل ﻭﻀﻊ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ ﺍﻟﻘﻠﻕ ﺍﻷﺴﺎﺱ ﻟﺩﻯ ﺃﻫﺎﻟﻲ ﺍﻟﺠﺭﺩ ﻭﻓﻲ ﺒﻠﺩﺍﺕ ﺤﺭﺍﺭ، ﺍﻟﻘﺭﻨﻪ، ﺒﻴﺕ ﺃﻴﻭﺏ، ﺍﻟﻘﺭﻴﺎﺕ، ﻗﺒﻌﻴﺕ، ﺤﺒﺸﻴﺕ، ﺤﻴﺙ ﻴﻌﻤﺩ ﺍﻷﻫﺎﻟﻲ ﻓﻲ ﺤﺭﺍﺭ ﺇﻟﻰ ﺘﻘﺩﻴﻡ ﺩﺭﺍﺴﺎﺕ ﻋﺩﺓ ﻭﺍﻟﻠﺠﻭﺀ ﺇﻟﻰ ﻤﺅﺴﺴﺎﺕ ﺩﻭﻟﻴﺔ ﻭﻤﺤﻠﻴﺔ ﻭﺤﻜﻭﻤﻴﺔ ﻟﺘﺄﻤﻴﻥ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ (ﻤﻴﺎﻩ ﺍﻟﺸﻔﺔ ﺃﻭﻻً ﺜﻡ ﺍﻟﺭﻱ ﺜﺎﻨﻴﺎً). وبالتالي ﻴﺩﻓﻊ السكان لشراء ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ عبر ﺼﻬﺎﺭﻴﺞ ﺨﺎﺼﺔ ﻓﻲ ﻓﺼل ﺍﻟﺼﻴﻑ مليون ليرة كل عام. 
4- ﻴﻌﺘﺒﺭ ﻭﻀﻊ ﺍﻟﺼﺭﻑ ﺍﻟﺼﺤﻲ ﻓﻲ ﺒﻠﺩﺍﺕ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻤﺤﻭﺭ ﺴﻴﺌﺎً ﻟﻠﻐﺎﻴﺔ، ﻭﻴﻌﻤﺩ ﺍﻷﻫﺎﻟﻲ ﺇﻟﻰ ﺇﺒﻌﺎﺩ ﺍﻟﻤﺸﻜﻠﺔ عبر ﺠﺭّ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ ﺍﻵﺴﻨﺔ ﺩﺍﺨل ﺃﻨﺎﺒﻴﺏ ﻤﻭﺠﻬﺔ ﺃﺴﺎﺴﺎً ﺇﻟﻰ ﻨﻬﺭ ﺍﻟﺒﺎﺭﺩ ﺍﻟﺘﻲ ﻜﺎﻨﺕ ﺘﺴﺘﻌﻤل ﻤﻴﺎﻫﻪ ﻓﻲ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺭﻱ ﺍﻷﺭﺍﻀﻲ. ﺘﺸﻜل ﻨﺴﺒﺔ ﺍﻟﺠﻭﺭ ﺍﻟﻤﻨﻔﺭﺩﺓ 36.25%، ﻭﺍﻟﻨﺴﺒﺔ ﺍﻟﻌﺎﺌﺩﺓ ﺇﻟﻰ ﺸﺒﻜﺔ ﺍﻟﺼﺭﻑ ﺍﻟﺼﺤﻲ ﺍﻟﻤﺘﻔﺭﻗﺔ ﺘﻘﺩﺭ ﺒـ 32.5% ﻭﺴﻤﻴﺕ ﺒﻨﺼﻑ ﺸﺒﻜﺔ ﻷﻨﻬﺎ ﻤﻭﺯﻋﺔ ﻓﻲ ﺒﻌﺽ ﺍﻟﺤﺎﺭﺍﺕ ﻭﺩﻭﻥ ﺘﻨﻅﻴﻡ، ﻭﻗﺩ ﻗﺎﻤﺕ ﺒﺠﻬﻭﺩ ﺍﻷﻫﺎﻟﻲ. 
5- ﻋﻠﻰ ﺼﻌﻴﺩ ﺍﻟﺸﺒﻜﺔ ﺍﻟﻌﺎﻤﺔ ﻟﻠﻜﻬﺭﺒﺎﺀ، ﺘﻀﺎﻑ ﺇﻟﻰ ﻤﺸﻜﻠﺔ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﻥ ﺍﻟﻁﻭﻴل ﻓﻲ ﻤﻨﻁﻘﺔ ﻋﻜﺎﺭ ﺇﺠﻤﺎﻻً، ﻤﺸﻜﻠﺔ ﻀﻌﻑ ﺍﻟﻜﻬﺭﺒﺎﺀ ﺒﺴﺒﺏ ﻗﺩﻡ ﺍﻟﺸﺒﻜﺔ ﻤﻥ ﺠﻬﺔ، ﻭﻋﺩﻡ ﻜﻔﺎﻴﺔ ﺍﻟﻤﺤﻭﻻﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺘﻐﺫﻱ ﺘﻠﻙ ﺍﻟﺒﻠﺩﺍﺕ ﻤﻥ ﺠﻬﺔ ﺜﺎﻨﻴﺔ. 
6- ﻻ ﺘﺘﻭﺍﻓﺭ ﻓﻲ ﺒﻠﺩﺍﺕ ﺍﻟﻤﺤﻭﺭ ﺍﻟﺨﺩﻤﺎﺕ ﺍﻟﺼﺤﻴﺔ ﺇﺫ ﻻ ﺘﻭﺠﺩ ﻤﺴﺘﻭﺼﻔﺎﺕ ﺃﻭ ﻤﺴﺘﺸﻔﻴﺎﺕ ﺃﻭ ﻤﺭﺍﻜﺯ ﺼﺤﻴﺔ ﻓﻴﻬﺎ ﺃﻭ ﺤﺘﻰ ﺼﻴﺩﻟﻴﺎﺕ، ﻭﻴﺘﻠﻘﻰ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ ﺍﻟﻌﻼﺝ ﻓﻲ ﻤﺴﺘﺸﻔﻴﺎﺕ ﺤﻠﺒﺎ ﻭﻁﺭﺍﺒﻠﺱ. وﺘﻘﺩﺭ ﻨﺴﺒﺔ ﺍﻟﻤﻀﻤﻭﻨﻴﻥ ﺒـ 6.5% ﻭﻫﻲ ﺘﻘﺘﺼﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻓﺭﺍﺩ ﺍﻟﻌﺎﻤﻠﻴﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻠﻙ ﺍﻟﻌﺴﻜﺭﻱ ﺨﺎﺼﺔ ﻗﻁﺎﻉ ﺍﻟﺠﻴﺵ.
7- ﺘﻤﺜل ﺍﻟﺯﺭﺍﻋﺔ ﻤﺼﺩﺭ ﺍﻟﺩﺨل ﺍﻷﺴﺎﺱ ﺒﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﺇﻟﻰ ﺒﻌﺽ ﺍﻷﺴﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺭﻏﻡ ﻤﻥ ﺘﺩﻫﻭﺭ ﻭﻀﻌﻬﺎ ﺍﻟﺭﺍﻫﻥ ﺤﻴﺙ ﺘﻤﺜل 20% ﻤﻥ ﺍﻟﺩﺨل ﺍﻟﻌﺎﻡ. ﻭﻴﺸﻜل ﻗﻁﺎﻉ ﺍﻟﺘﻭﻅﻴﻑ ﻤﻭﺭﺩﺍً ﻤﻬﻤﺎ ﻭﻴﺄﺘﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺭﺘﺒﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻜﻨﺸﺎﻁ ﻴﻤﺎﺭﺴﻪ ﺃﻓﺭﺍﺩ ﺍﻟﺘﺠﻤﻊ ﺇﺫ ﻴﻐﻁﻲ 20.5% ﻤﻥ ﺍﺤﺘﻴﺎﺠﺎﺘﻪ. ﺘﺩﺭ ﺍﻟﻬﺠﺭﺓ ﺍﻟﻤﻭﺴﻤﻴﺔ ﻭﺤﺭﻜﺔ ﺍﻟﻨﺯﻭﺡ ﻤﻥ ﺍﻟﻘﺭﻴﺔ ﻭﺇﻟﻴﻬﺎ ﺩﺨﻼً ﻴﻤﺜل 13.5%. ﻓﻲ ﺤﻴﻥ ﺘﺤﺘل ﺤﺼﻴﻠﺔ ﺍﻟﻬﺠﺭﺓ ﻭﺘﺄﺜﻴﺭﻫﺎ ﻓﻲ ﺩﻋﻡ ﺍﻷﺴﺭ ﺍﻟﻘﺎﻁﻨﺔ ﻭﺍﻨﻌﻜﺎﺱ ﺫﻟﻙ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺼﻌﻴﺩ ﺍﻹﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﺩﺍﺨل ﺍﻟﻤﺤﻭﺭ ﻨﺴﺒﺔ 7.5%. ﺘﺸﻜل ﺍﻟﻘﻁﺎﻋﺎﺕ ﺍﻷﺨﺭﻯ ﻤﺜل ﺍﻟﻨﻘل، ﺍﻟﺘﺠﺎﺭﺓ، ﺍﻟﻌﻤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻤﻴﺎﻭﻤﺔ، ﻤﺎ ﻨﺴﺒﺘﻪ 25.5% ﻟﺩﺨل ﺍﻟﺘﺠﻤﻊ.
هي أرقام قادمة من مختبرات الفقر، فئرانها هم بشر. ولكن، فقراء قبعيت ضحايا أم جناة؟ جناة لأنهم على خط الفقر، وضمن فقراء الخطوط الأعلى والأدنى والمدقع والمزري الذين تحاول الحكومات والمنظمات تأمين الدواء السحري للقضاء على فقرهم، إلا أنهم بطمع الرذلاء حاولوا الهرب من المختبر الأبيض الحلو. 
ضحايا قبعيت، فقراء، حاولوا إختراع الأمل، فقتلهم. 
 
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق