23‏/10‏/2013

مقاومة

رشا أبو زكي - جريدة المدن الإلكترونية 

منذ انتهاء الحرب الأهلية وتحديداً في العام 1991، بدأت السلطة السياسية في لبنان عملية تدجين الحركة النقابية، بعدما كانت هذه الأخيرة رافعة فعلية للنضال الإجتماعي والإقتصادي والثقافي في مرحلة ما قبل الحرب الأهلية وخلالها. ومنذ اتفاق الطائف حتى اللحظة، جهدت السلطة السياسية بكل أركانها وأطيافها لحصر النقابات والإتحادات العمالية في شرنقة السياسة. يمكن اختصار المشكلة بقيادة الإتحاد العمالي العام والقول أنها أكثر المتهمين في تسييس وقتل الحركة النقابية في لبنان. إلا أن الحقيقة تقول أن هذه القيادة جاءت بمعية الأحزاب السياسية، وما سلوكها البعيد عن هموم العمال ومطالبهم سوى الإنعكاس البديهي للدور الذي جاءت من أجله: خنق الشارع لكي يستطيع الزعيم والرئيس والنائب والوزير، النهب بصمت. ومن هنا، يصبح سلوك الإتحاد وقيادته مفهوماً، فهي الخادم الرديء لأحزاب وسلطة رديئة. 
لكن الملفت، أنه طوال فترة سيطرة الأحزاب السياسية على الإتحاد العمالي العام خلال أكثر من 20 عاماً، لم تنجح النقابات و الاتحادات النقابية في أي تحرك متمرد على واقعها. ولم يوجد ولو نقابي واحد يمتلك من المصداقية والعمل النقابي الفعلي اليومي ما يكفي لكي يرفع مطلب قطاع عمالي واحد ويذهب به حتى التطبيق. في حين أن المحاولات التي قادها عدد من النقابيين في الإتحاد وخارجه كانت ضعيفة كنتيجة لضعف النقابيين في الشارع من جهة وكنتيجة للقوة الممنوحة لقوى التخريب النقابي من جهة أخرى. خصوصاً أن هذه القوى كانت تحظى بسند سياسي تعدى وزراء العمل ليصل إلى رؤساء الجمهورية ومجلسي النواب والوزراء، كذا تعدى مطلب التخريب الإطار المحلي ليصل إلى سوريا. وكذلك، كانت البدائل النقابية المطروحة (خصوصاً محاولات انشاء اتحاد عمالي ثان بعد العام 2005) مسيّسة حتى النخاع، بحيث ارتبط فشل "التغيير" ههنا بعدم نضوج التسويات السياسية الكبرى التي يمكن أن تسقط السيطرة الحزبية، التي أصبحت شبه آحادية، على المفاصل النقابية في لبنان. 
فقد شهدت الحركة النقابية في فترة 2005 – 2011 بعض الحراك. شذت بعض الاتحادات النقابية عن الخط المرسوم للإتحاد العمالي العام، ورفعت شعار تأسيس إتحاد عمالي ثان، إلا أن تبعية هذه الاتحادات نفسها لأحزاب سياسية مناهضة للأحزاب المسيطرة على الإتحاد العمالي العام، نزعت عنها الثوب النقابي أيضاً. المطروح كان، اتحاد عمالي ثان تحت سيطرة 14 آذار يواجه اتحاداً عمالياً شكلته قوى 8 آذار. 
لم يسهم الشارع اللبناني بقواه الإجتماعية – العمالية بإحداث أي ضغط على النقابيين أو الأحزاب. فالإنقسام الذي يفرض نفسه بين العمال في أي قطاع يعملون فيه، جعل من الصعب تصوّر مستقبل نقابي مختلف في لبنان. إنقسام سياسي، مذهبي وطائفي، يعكس هو الآخر مدى توسع التوظيفات السياسية في الإدارات والقطاعات العامة من جهة، ومدى الفرز السياسي والطائفي الموجود في الشارع اللبناني، والذي فرز أصحاب الحقوق في القطاع الخاص. لتصبح صورة زعيم أو اسمه أو الانتماء المذهبي عامل وحدة يفوق بكثير حالة جوع أو فقر أو بطالة أو مطلب يعني مجموعة من المجموعات العمالية. 
وفي هذا التفصيل تفصيل أيضاً. إذ أن التبعية التي تكاد تكون غرائزية من قبل العمال المتضررين لزعماء يسببون لهم الضرر، تعود إلى سلسلة من العوامل التي تعيد الواقع السوداوي إلى حلقته المفرغة. فبين التوظيفات السياسية في القطاع العام وسيطرة الأحزاب المذهبية على كل ما له علاقة بالخدمة الإجتماعية العامة، أصبحت هذه التبعية نوعاً من رد الجميل، لتتحول شيئاً فشيئاً إلى ما يشبه غريزة الولاء... 
أزمة الحركة النقابية ليست هيكلية، كما يحلو للبعض اختصارها، وإنما سلسلة مصالح مترابطة بين حزب وقطاعات اقتصادية واجتماعية ومناصرين، تسير فيها المطالب من الحزب لتصل إلى المناصر – العامل، لا العكس. فقد بيّنت الكثير من الأحداث أن خط المسار لا يمكن أن يكون معاكساً، خصوصاً إذا كان المطلب العمالي قابلاً للمساومة من جهة الحزب الراعي. والأمثلة كثيرة، آخرها مطالب المياومين في مؤسسة كهرباء لبنان، هؤلاء الذين ينتمون إلى كل الأحزاب السياسية المسيطرة لم يستطيعوا فرض تثبيتهم في المؤسسة، لأن أحزابهم فاوضت في ما بينها على مطلبهم، ليصبح الصراع المزعوم في الصف الأول مجرد خدعة لا تعكس حجم الوفاق الحاصل في هذا الصف، على تقسيم مغانم شركات تقديم الخدمات، صفقات الفيول، تفكيك المعامل وبيعها، البواخر... وغيرها. في المقابل، كان مطلب فك اعتصام المياومين القادم من الحزب وصولاً إلى المناصر – العامل، وبرغم عدم حصول العمال على مطالبهم، غير قابل للرد.
القليل من الأمل تبعثه هيئة التنسيق النقابية في هذه المشهدية السوداء للحركة النقابية في لبنان. إلا أن مسار المطالب لم يتغير، من فوق إلى تحت. كمّاشة هيئة التنسيق النقابية غير قادرة حتى الآن على كسر السلسلة الرديئة، إلا أن الأمل القليل يأتي من أن الهيئة لا تزال حتى الآن "الكمّاشة"، وأن منظومة المصالح لم تشدّها حتى اللحظة لتصبح حلقة من السلسلة. "الكمّاشة" هذه اسمها مقاومة. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق