28‏/10‏/2013

اللاجئون وفقراء لبنان

http://goo.gl/nWKdck



رشا أبو زكي - جريدة المدن الإلكترونية1:27 م
في كل منطقة لبنانية، في كل شارع، في كل بيت، قضية واحدة تتم مناقشتها هذه الأيام: تأثير وجود اللاجئين السوريين على حياة اللبنانيين. منطلقات النقاش مختلفة، إلا أن الثابت الوحيد المتكرر هو أن اللجوء هذا أصبح مشكلة فعلية، لتأثيراته على التفاصيل الحياتية للطبقة الفقيرة مرّة، ولتحوله إلى قضية لبنانية يومية تثير الكثير من الجدل والإشكالات حتى بين أفراد العائلة الواحدة، مرّات. 
هما قضيتان إنسانيتان تتصارعان على "الوجود". بشر هاربون من قصف وقتل متواصل إلى بلد بلا قوانين تحمي مواطنيه، من جهة. وبشر يعيشون في بلد لا يحمي حقوقهم، ويتركهم تحت ظلم الصرف من العمل وارتفاع أكلاف الحياة والسكن  من جهة أخرى. ما العمل وسط هذه المعضلة؟ فعلاً ما العمل؟
لا شك في أن كلام السياسيين عن اللاجئين السوريين منفّر حدّ القرف، لا بسبب نوع الخطاب التحريضي المنطلق من أسس مذهبية وانتخابية والمخاوف الديمغرافية المجردة من أي حس إنساني، ولا بسبب التعاطي مع هذه القضية الإنسانية بنوع من الإستعلاء العنصري فقط، وإنما لكون هؤلاء السياسيين مسؤولين بشكل مباشر عن اجتراح الحلول لقضية اللاجئين، وهم المسؤولون المباشرون عن ترك السوق اللبنانية والأرض اللبنانية سائبة لأصحاب الأموال، لبنانيين كانوا أم سوريين أم أجانب، ضد التاجر الصغير والمستأجر والباحث عن مسكن. وهم المسؤولون المباشرون عن عدم تنظيم العمالة الأجنبية في لبنان، وهم المسؤولون أيضاً عن عدم وضع ضوابط قانونية تجعل المواطن اللبناني ينعم بالأمن الإجتماعي والمعيشي، كأي مواطن في أي دولة طبيعية في هذا العالم... وهم المسؤولون أيضاَ وأيضاً عن إذكاء العصبيات المذهبية والعنصرية في الشارع اللبناني. من دون رفع غطاء المسؤولية عن المواطن التابع لهؤلاء طبعاً.
لكن بعيداً عن السياسيين وحساباتهم، يتواجد في لبنان طبقة كاملة من محدودي الدخل يعانون فعلياً من مزاحمة اللاجئين السوريين. أولاً في مكان العمل، حيث تأكّد أن عدداً كبيراً من المخازن الكبرى والمؤسسات الصناعية والمؤسسات المتوسطة والصغيرة قام بصرف آلاف اللبنانيين منذ منتصف العام الماضي حتى الآن، واستبدالهم بالعمالة السورية.
على من تقع المسؤولية؟ على لاجىء صودف أنه هارب من بلد "فالت" أمنياً إلى بلد "فالت" من أي حماية للعمال اللبنانيين؟ على أصحاب المؤسسات الذين يقتنصون أي فرصة لاستغلال واستعباد العمال، بحيث يصرفون آلاف اللبنانيين لمصلحة عمال سوريين لا يتم تسجيلهم بالضمان الإجتماعي ويرضون بأجر زهيد كي لا يموتوا جوعاً؟ على وزارة عمل وحكومة كاملة لم تستطع حتى اللحظة حماية مواطنيها من المزاحمة ولم تستطع حتى اللحظة الخروج من عباءة النظام والمخابرات السورية التي منعت الحكومات السابقة من القيام بأي إجراء تنظيمي للعمالة السورية في لبنان؟
ماذا يمكن أن يفعل عامل لبناني بإزاء مصيبة كهذه طرأت على حياته وعلى عائلته؟ كيف يطعم أولاده ويدخلهم المدارس وهو بلا عمل ولا دخل وبلا دولة يمكن الإستنجاد بها وبلا قانون يمكن أن يحتمي  به؟ 
هذا بالإضافة إلى صغار التجار وأصحاب المؤسسات المتناهية الصغر، الذين يشهدون أزمة مزاحمة شديدة في أحياء الفقر من بيروت إلى كل المناطق اللبنانية الأخرى... فقد دخلت البرجوازية الصغيرة السورية الى السوق اللبنانية عبر أموالها في استثمارات صغيرة تضرب مصدر رزق أقرانها اللبنانية بقوة، خصوصاً أن السوق اللبنانية ضيقة ولا تحتمل منافسة. هل المشكلة ببرجوازي صغير وجد سوقاً مفتوحة فاستثمر بها كون لا أحد يسائله؟  أم أن المشكلة بالحكومة اللبنانية (حتى لو كانت مستقيلة) العاجزة عبر اجهزتها الرقابية عن اغلاق المحال التي لا تمتلك ترخيصاً؟ 
وصولاً إلى المستأجرين وهم بالآلاف أيضاً. هؤلاء ارتفعت إيجاراتهم خلال العام 2013 وحده أكثر من 50 في المئة، أما السبب فهو مقولة يرددها أصحاب الأملاك في وجه المستأجر ليلاً ونهاراً: "إرحل، أستطيع أن أؤجر المنزل لمجموعة من النازحين السوريين وأحصل منهم على 100 دولار عن كل شخص ليكون مجموع الإيجار أضعاف ما أتقاضاه منك". ما العمل هنا؟ هل المشكلة بلاجىء يبحث عن مسكن؟ ام بمالك لا يتوقف جشعه عند أي حدود إنسانية؟ أم لدى حكومة ترفض حتى اللحظة أي إجراء تنظيمي لوجود اللاجئين في لبنان، فتمتنع عن تشييد المخيمات خوفاً من "تزايد عدد السنة في لبنان"، في حين أن "السنة" هؤلاء متواجدون في البلد وليسوا أشباحاً؟ أو خوفاً من أعمال أمنية في حين أن دور الدولة والأجهزة العسكرية ضبط المخيمات أمنياً، كما يحصل في كل الدول التي تستقبل لاجئين؟ ماذا يفعل المستأجر اللبناني هنا؟ فعلاً ماذا يفعل؟ ولمن يلجأ؟ 
قد يكون الجواب أن الشعب اللبناني أنجب هذه الحكومة لا بل كل هذه السلطة العقيمة إلا عن السرقة، وعليه يجب على الشعب أن ينتقم من خياراته في صندوق الإقتراع. لعل النزول إلى الشارع في وجه كل الأحزاب اللبنانية وفي كل المناطق اللبنانية قد يفيد. لعل ضرب هذه الأحزاب المسيطرة على الدولة اللبنانية وقراراتها، بكل أنواع الأحذية المتوافرة في كل منزل حل مفيد قد يجبر هذه الأحزاب بحكوماتها ومجلس نوابها ورؤوسائها على إيجاد الحلول. إلا أن هذا الجواب تبسيطي فعلاً، إذ أنه من الآن إلى حين تطبيق خلاصات الصحوة هذه ماذا يفعل فقراء لبنان ومحدودو الدخل فيه في نهاية هذا الشهر والشهر المقبل ونهاية هذا العام والعام المقبل بلا دخل ولا عمل ولا مسكن ولا قدرة شرائية؟ ماذا يفعل من لم ينتخب ديناصورات العصر أصلاً؟ فعلاً ماذا يفعلون في ظل غياب مطلق للدولة وفي ظل تناحر قضيتين إنسانيتين على كعكة "الوجود"؟ 
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق