31‏/12‏/2013

ستنعاد علينا

رشا أبو زكي - جريدة المدن الإلكترونية

في كل حي من الأحياء اللبنانية، يوجد على الأقل "دكنجي" (تاجر صغير) متعثر مالياً ويروح نحو الإفلاس. تتشابه ظروف التعثر وملامح الدكنجي الفاشل برغم اختلاف الأحياء والبيئة المحيطة. هو عادة مهمل، لا يحدّث محتويات متجره، يسجل مدفوعاته ونفقاته على دفتر مدرسي ممزق، وغالباً لا يسجل أي شيء. يصرف ويشتري ويتصرف بالأموال بعشوائية، ولا يعرف كيف يحصي أرباحه ولا يعرف كيف يحدد خسائره. في حين أن عدم إفلاسه لا يحتاج إلى الكثير من "الشطارة"، إذ يكفي أن ينظّم حركة الأموال الداخلة والخارجة من متجره، ويقنن من جهة ويرفع الإنفاق على سلع مطلوبة في السوق من جهة أخرى، لكي يخرج بحسابات "نظيفة" في نهاية كل عام تحدد له مسار عامه التجاري المقبل.
قد يحدث أن يكون "الدكنجي" الفاشل شديد الإهمال، قد لا يسجل أي شيء من حساباته ويحاول أن يتحايل على واقعه بخرق القانون. قد يبيع مجوهرات زوجته، ويتوقف عن إرسال أولاده إلى المدرسة، ويجعل عائلته تعوم على مستنقع فقر وعوز، قد يسيّل أراضي والده من دون علم أخوته، ويستحوذ على أموال ليست له لكي يُبقي على متجره المكسور غصباً عن الواقع. قد تكون كل هذه الفوضى مقصودة، لكي يستمر هذا الدكنجي في انفاق الأموال وفق مزاجه ومصالحه الخاصة بعيداً من التفكير بمصلحة عائلته، وبعيداً من سماع تقريع زوجته في حال اكتشفت نفقات غير منطقية لو كانت حسابات متجره واضحة...
الدكنجي هذا، هو لبنان.
بلد صغير بميزانية صغيرة يعيش منذ 9 سنوات بلا تحديد لحجم الانفاق ولا حجم الإيرادات. الحكومات المتتالية تضع سيناريوهات انفاقية فقط، وتصرف بالمقابل وفق مزاج وزرائها بمخالفات دستورية وقانونية ومحاسبية واضحة وفاضحة. من يحاسب؟ ومن أين يبدأ الحساب؟ فور طرح هذين السؤالين، هناك طرفان ستكون لهما أجوبة متشابهة: الطرف الآخر يمنعنا من إقرار الموازنة، لا يوجد حكومة لكي تقر الموازنة، لا يمكن اقرار الموازنة بلا حسم قضية الحسابات المالية منذ العام 1993...
عليه، ندخل اليوم العام 2014 بلا موازنة، وبلا نص يحدد ما ستنفقه الحكومة من أموالنا، وأين ستنفق هذه الأموال، وكيف ستنفقها. في فوضى كهذه، يصبح من العادي أن يخرج وزراء في مؤتمرات صحافية علنية يتحدثون فيها عن "سرقات" أموال عامة وعن "صفقات" وعن فساد وعن إثراء غير مشروع وعن تعديات على أملاك عامة وغيرها. يصبح عادياً أن لا يكون هذا الموضوع مدار شجب وأخذ وردّ من أطراف سياسية معادية للأطراف التي تتراشق بالتهم. فالكل له يد في المجزرة المالية المستمرة.
القانون واضح، والنصوص واضحة، ومن يرتكب المجزرة يعلم ماذا يفعل. إذ خلال السنوات التي شهدت إقرار الموازنة كانت الرقابة النيابية صورية واستنسابية، تنفجر وتخفت وفق الظروف السياسية ومصالح المعترضين. كان تغييب الأجهزة الرقابية عن القيام بدورها ووضع الملاحظات القضائية في الجوارير السحرية لوزارة المال ومجلس النواب، عرفاً أقوى من القانون. كانت الموازنات المقرة لا قانونية ولا دستورية، بحيث غابت عنها مواصفات الشمولية إضافة إلى خرقها ببنود لا يجب أن تدرج ضمن الموازنات العامة. وكانت الموازنات غير القانونية هذه، يتم إقرارها بتواطؤ كل من كان في الحكومات وفي مجالس النواب المتعاقبة. لا أحد مستثنى من ارتكاب المخالفات وتضييع أموال اللبنانيين بمشاريع موازنات لا توضح بشكل تام وجلي آلية الإنفاق وتحصيل الإيرادات. اليوم أصبحت المخالفات مجزرة، واللبنانيون متخبطون من رؤوسهم حتى أقدامهم بالإستزلام إلى زعمائهم من كل الألوان والأطياف، بدلاً من محاسبتهم على العبث بأموالهم وأموال أبنائهم وأحفادهم.
سيزيد رقم على العام 2013، لا أكثر، سندخل سنة جديدة، لكن شيئاً لن يتغيّر. نفس الزعماء ونفس الجمهور المصفق، ونفس الصفقات ونفس الثروات ستزداد إزدهاراً، ونفس الأبواق ستدافع عن الزعيم الفلاني والعلاني، ونفس الأسنان ستلمع في ضحكات الإنتصار على بعض الكرامة الذي تبقى لشعب تنتهك حياته وحقوقه وأمواله في كل ثانية وكل ساعة وكل شهر من كل عام.
سنكون بخير في العام 2014، وستنعاد علينا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق