19‏/2‏/2014

أنسي الحاج يسكننا






أبكي حين أرى صورته، وبعدها أسكت. عقلي لم يقتنع بعد أنه اختفى، لم يقتنع أصلاً أننا لم نره قبل رحيله بأسابيع. فقط أتوهم أنني أسمع ضحكته المتقطعة، التي يختمها بضربة من كفه على قدمه.
أكره أن يعطف علي أحد، قالها أكثر من مرة. أكره أن تتم معاملتي ك "ختيار". أكره أن تنادوني "أستاذ أنسي". أكره ما وصلت إليه الصحافة. أكره النفاق والحقد... فقط هذا ما يكرهه، وغير ذلك يحب كل تفاصيل الحياة ومن فيها.

***
مجموعة صغيرة من الشبان والشابات، نتصل ببعضنا بعدما وعدنا بجلسة. نصبح كمن هو ذاهب إلى محفل سرّي. نتأبط كل حبنا، ونستعد لجلسة تنتهي بأن نصاب بوجع في عضلات وجهنا. وجع لا هروب منه بعدما نقضي أكثر من ساعتين أمام رجل قادر على تحويل مصيبة إلى حفلة استهزاء.
تنتهي حفلة الضحك ونذهب، يسأل كل منّا الآخر: "وضعو منيح؟"، ونجيب أنفسنا: "ايه منيح كان عم يضحك". اعتقدنا أن وجودنا قربه يجعله أكثر سعادة، والواقع كان معكوساً.
***
أضحك من نفسي وأخبره: "أتذكر حين كنت أغضب عندما تقول لي أي كلمة جميلة، وأجاوبك أني أكره المديح؟". يضحك، ويضع يده على وجهه. أخجل من خجله، أضحك مع ضحكته، يسألني عن حياتي عن برجي عمن أحببتهم قبل حسن، أجيبه أني أنسى الكثير من التفاصيل قبل أن أتذكر... يوم السبت فرد صفحته بمقال عنوانه" أنسى قبل أن أتذكر".
كم شعرت أني غبية حين قرأت كلماته. كيف لهذا الشخص الذي أتفادى مديحه ونظراته اليومية أن يعرفني هكذا؟ أن يعرف ما في داخلي من دون أن أخبره؟ قلت له أني أكره المديح، كيف يكتب عني هكذا ويفرغ كل مديحه بآلاف الأحرف؟ كذبت، فقد كنت سعيدة بكل هذا الحب، وقد كنت سعيدة بأن يكتب هذا الشخص عني. ولكني لم أخبره. كم كنت غبية. لكنه يعلم من دون أن أبوح بكلمة، يعلم أني غبية.
 ***
يصر على دفع فاتورة المطعم كل مرة. نقرر أن نتمرد، ندفع على غفلة منه، يغضب. في النهاية، قررنا أن نطلب كميات قليلة من الطعام لكي لا تتضخم الفاتورة، لم تفلح كل محاولاتنا هذه، عندها كان القرار النهائي، نلتقي في منزله ونعد الطعام معه، أو ننتقل الى منزل أهلي. نجحنا، وشعرنا بالانتصار على كرمه.
***
كان يخبرنا بعض القصص عن بعض الأشخاص، فنعتبرها سرّنا. سر باح به أنسي لنا، يا لهذا الشعور.

***
كنا نحرص على ألا نمسك يده حين ينزل الدرج الطويل. الدرج هذا مرهق جداً ولكنه كان الوسيلة الوحيدة لكي نصل إلى منزله أو نخرج منه. كنا كلنا ننظر إليه خلسة لنراقب أنفاسه ونحاول أن نكتشف سر حيويته العجيبة.

***
 نحن الذين ننتمي إلى جيله الشاب، لا العكس.
***
أحد الصحافيين كتب منتقداً كتاباته واعتبره فاشياً، أخبرناه ببعض ما بقي من ذاكرتنا من كلمات المقال. ضحك كثيراً، وبطيبة قال: فليجلس معي، سأسهل عليه التحليل و"نبش" الأرشيف، أنا أكتب بالسياسة من عقل شاعر، لست محللاً في السياسة ولا أريد ان أكون.

***
كنا في جلسة معه حين أخبرنا عن مقالته التي كانت ستحمل عنوان: "بحثاُ عن ميشال عون". كان غاضباً من عدم وجود دولة في لبنان: "كيف يمكن أن يعيش الناس ويحصلون على مطلب أو حياة من دون وجود هيكل دولة في لبنان؟ فلتقم ديكتاتورية لتشكل هيكل أي هيكل وبعدها يصبح لدينا قدرة على معارضتها وعلى تشكيل دولة على أنقاض الديكتاتورية. كل الدول المتقدمة مرّت في مرحلة العسكر وبناء المؤسسات وبعدها حصلت على استقلالها الحقيقي، لا بد أن نمر بهذه المرحلة وإلا سيبقى لبنان كما هو لآلاف السنين".
انتفضت حينها على عنوان المقال لا على المضمون. قلت له أن ميشال عون لا يمكن أن يؤسس لدولة خارج المنظومة السياسية التي نعيش في كنفها. هو منتفع كما الآخرين ومواقفه متبدلة ومستفيد من المنظومة القائمة، فلم يريد أن يغيّرها؟ هو غير قادر على صناعة ديكتاتورية تجمع الناس ضدها لكي يقوضوها ويؤسسوا البديل.
في اليوم التالي نُشر المقال بعنوان "بحثاً عن بشير الجميل".
حين نشر المقال، هاج اليسار الغبي معتبراً أنه يمدح بالفاشية، وهو كان يريد أن يدفنها.

***
أحد الذين يفرد صفحة في مديح أنسي اليوم، جرحه كثيراً.
كم أقرف ممن جرّح بهذا الشخص الطيب.

***
كان مؤمناً بعدد من الصحافيين من الجيل الشاب. يمضي ساعات لتغيير صياغة المواضيع. ينتظر القادم إلى مكتبه. تلاحقه الفتيات لكي يسمعن ولو كلمة غزل واحدة من شخص لا يعرف سوى الحب. كان يحبنا بلا مقابل. يقدم لنا النصيحة ونحن نستمع. يخبرنا عن كل عمالقة الأدب والفن ونحن نصغي. يضحك كثيراً. كان يضحك كثيراً.
***
أنسي الحاج الذي أعرفه يكره أن نرثيه. أصلاً لا يعترف أنه ذهب، فهو شاب لا يزال يريد أن يستمتع بهذه الحياة. ليت الحياة أحبتك كما أحببتها وكما أحببناك، ليتها استثنتك من هذا الرحيل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق