15‏/4‏/2014

النمو الاقتصادي العربي يناقض الرفاه

رشا أبو زكي - العربي الجديد

http://bit.ly/1ilZN3O

تعيش عائلة مؤلفة من 5 أفراد في بيروت، منذ أكثر من 15 سنة، في الفقر المدقع.
خلال السنوات الـ 15 الماضية، ارتفع النمو الاقتصادي في لبنان، ومن ثم تراجع، في حين أن حجم الاقتصاد اللبناني يتوسع.
 
وخلال كل هذه السنوات، استمر تراجع الوضع المعيشي لهذه الأسرة، وبقيت تسعى الى الحصول على حد أدنى من الخدمات الاجتماعية.
 
إلا أن الدولة اللبنانية، وطوال هذه السنوات، وعلى الرغم من النمو الحاصل، لم ترفع الإنفاق الاجتماعي إلى درجة يمكن أن توصل هذه العائلة البيروتية الى الحد الادنى من الاكتفاء الاجتماعي... لماذا إذن تنظم السلطات الاقتصادية الاحتفاليات حين يزيد النمو، إن كان الأخير لا يحسن ظروف حياة المواطنين؟
 
في نهاية عام 2013، ألقى الرئيس الأميركي، باراك أوباما، خطاباً أعلن فيه ما يلي: منذ عام 1979، ارتفعت الإنتاجية بما نسبته أكثر من 90%، لكن دخل الأسرة ارتفع بما لا يزيد عن 8%. كذلك ازداد حجم الاقتصاد الأميركي أكثر من الضعف، بينما لم تذهب أكثر منافع النمو سوى الى قلّة محظوظة".
 
عدم ارتباط النمو الاقتصادي بتحسين المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية المتعلقة مباشرة بمعيشة المجتمعات، أصبح يثير كثيراً من التساؤلات من المراقبين الاقتصاديين في العالم.
وطفا على واجهة المطالب، شعار ربط النمو بالتنمية الاجتماعية.
ومن البديهي هنا اعتبار أن المطلب قادم من نقص في الارتباط هذا، أو انعدامه في كثير من الدول.
 
لا شك في أن غالبية الدول العربية قد شهدت تغييرات في حجم اقتصادها خلال الأعوام الماضية. فقد أثرت الأزمة المالية العالمية بارتداداتها على معظم اقتصادات المنطقة، ومن بعدها أتت الثورات العربية التي أصابت عدداً كبيراً من الدول ببطء اقتصادي ملحوظ.
وبين هذين الحدثين، كانت أسعار النفط شديدة الليونة، ترتفع وتنخفض وفق الأزمات السياسية والأمنية التي طالت غير دولة عالمية ومنها المصدرة للنفط.
 
بعيداً عن اقتصاد الريع الذي يلف الدول العربية النفطية، ويبعدها عن تكوين أسس اقتصادية إنتاجية صلبة في عالم مقسوم بين منتجين ومستهلكين، لا بد من مراقبة التفاوت الحاصل بين تضخم حجم الاقتصاد وارتفاع نسبة الفقر في عدد من الدول العربية التي لا يعتمد اقتصادها بشكل أساس على صادرات النفط.
 
فقد تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي (كل ما يتم إنتاجه داخل حدود الدولة) في الأردن ومصر وتونس ولبنان بنسب كبيرة في مقارنة بين عامي 2004 و2012، أما نسب التراجع فهي من 8.6% الى 2.7% في الأردن ومن 4.1% إلى 2.2% في مصر ومن 6.1% إلى 3.6% في تونس، ومن 7.5% الى 1.4% في لبنان، وفق تقارير وإحصاءات البنك الدولي. (وتراجع نسبة النمو يعني أن اقتصادات هذه الدول تشهد نمواً في ناتجها ولكن نسبة هذا النمو تشهد التراجع وليس حجم الناتج).
 
وإن كان الناتج المحلي يضم استثمارات أجنبية ولا تحمل جنسية هذه الدول، فإن حجم الاقتصاد القومي تطور بشكل ملحوظ أيضاً في هذه الدول الأربع، ويمكن الاستدلال على هذا الحجم من خلال الدخل القومي لهذه الدول الذي يتضمن كل ما ينتجه مواطنو ومؤسسات الدول الأربع محلياً وخارجياً.
 
فقد تطور حجم الناتج القومي، وفق إحصاءات وتقارير البنك الدولي، في مقارنة بين عامي 2004 و2012 بالأحجام التالية: 16.2 مليار دولار في الأردن. 212.7 مليار دولار في مصر. 34.8 مليار دولار في تونس. 26.8 مليار دولار في لبنان.
 
هذا التطور، والنمو (ولو كان متباطئاً) لا بد من أن ينعكس ارتفاعاً في الإنفاق الاجتماعي في هذه الدول الأربع التي تضم عدداً ضخماً من الفقراء ونسباً مرتفعة من البطالة... إذ منطقياً يُعتبر النمو الاقتصادي نتاج المجتمعات، ما يعني أن النمو يشير الى رفاه هذه المجتمعات وتحسن معيشتها.
 
إلا أن هذه النظرية تسقط عند أبواب الواقع، عند الاطلاع على حجم تطور نسب الفقر في هذه الدول.
 
في الاردن وحسب دراسة "تقييم الفقر في الاردن" التي أعدت في عام 2004 تبيّن أن نسبة الفقر بلغت في الأردن 14.2 في المئة، بينهم 29 في المئة يعانون الفقر المزمن.
وتتمدد جيوب الفقر في الأردن في 20 منطقة حيث تزيد نسبة الفقر فيها عن 26 في المئة. الى عام 2012، يؤكد ﺗﻘرﯾر ﺻﺎدر ﻋن ﻣرﻛز "اﻟﻔﯾﻧﯾق ﻟﻠدراﺳﺎت" عن "ﺧط اﻟﻔﻘر ﻓﻲ اﻷردن ﻟﻌﺎم 2012": أن خط الفقر يمثل راتب 400 دﯾﻧﺎر ﺷﮭرﯾﺎً ﻟﻸﺳرة في حين تفيد الأرقام اﻟرﺳﻣﯾﺔ أن 72 في المئة ﻣن اﻟﻣﺷﺗرﻛﯾن ﻓﻲ اﻟﺿﻣﺎن اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﻲ ﯾﺣﺻﻠون ﻋﻠﻰ رواﺗب ﺷﮭرﯾﺔ ﺗﺑﻠﻎ 400 دﯾﻧﺎر وما دون.
 
في مصر، يؤكد تقرير الصندوق الدولي للتنمية الزراعية التابع للأمم المتحدة في عام 2004 وجود 48 مليون مصري فقير يعيشون في 1109 مناطق عشوائية. في حين يقول الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في عام 2012، أن نسبة الفقراء في مصر تتعدى الـ 26.3 في المئة.
 
في تونس تُظهر بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن نسبة الفقر في عام 2012 وصلت إلى 15.5 في المئة في مقابل 23.3 في المئة سنة 2005.
 
في لبنان، يشير دليل أحوال المعيشة 2004 الى أن حصة الـ50 في المئة الأقل دخلاً لم تزد على 18 في المئة من الدخل الوطني. وتجاوزت نسبة الاسر التي قل دخلها عن المتوسط الوطني لدخل الأسرة (1،54 مليون ليرة) 70 في المئة من اجمالي الاسر.
وتلفت دراسة "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي" أن 20.59 في المئة من السكان هم من الفقراء، بالإضافة إلى 7.79 في المئة يعيشون في فقر مدقع، بما يعني أن نسبة الفقراء الإجمالية تبلغ 28.58 في المئة من اللبنانيين.
 
قد يبرر بعض عدد الفقراء الضخم في الدول العربية الأربع بأنه نتاج انخفاض النمو بين أعوام 2004/2012، إلا أن ضعف الرؤية الاقتصادية ومافيوية الأنظمة تجعل من هذا المبرر نكتة سمجة.
 
إذ إن أعداد الفقراء المتزايدة ليست نتاج عوامل خارجية، وإنما نتاج سياسات اقتصادية تقوم على خفض الإنفاق الاجتماعي لمصلحة تعزيز اقتصادات الريع. معادلة لا يمكن أن تنتج سوى إفقار غالبية المواطنين وإثراء القلة القليلة التي لا يصدق كونها القلة الحاكمة.
 
أما اعتبار ساسة الاقتصاد أن رؤيتهم الاقتصادية مدعومة بتوجه دولي نحو تحرير الاقتصاد، فليس سوى أوهام بلا معنى. فصندوق النقد الدولي، كما البنك الدولي عدّلوا في توجهاتهم نحو اقتصاد أكثر عدالة، وإن كانا لا يتقصّدان العدالة بعينها. فعبارة مندوبة صندوق النقد الدولي، كريستين لاجارد، في مقابلة أجراها معها، الأسبوع الماضي، الكاتب في "نيويورك تايمز"، ادواردو بورتر، كفيلة بالرد على كل المبررات:
 
"التوزيع العادل للدخل يأتي من ضمن مهماتنا الأساسية في الدول. والسبب هو أن مهمتنا هي تحقيق الاستقرار المالي. وكل ما يؤدي الى احتمال زعزعة القارب المالي والاقتصادي يعتبر ضمن أولوياتنا".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق