8‏/4‏/2014

نصف مليون لبناني مهدد بالتشرّد

رشا أبو زكي - جريدة العربي الجديد

http://bit.ly/1lHBUEq





الشارع اللبناني مشغول هذه الأيام بقضية تقض مضاجع آلاف المواطنين. إنه قانون الإيجارات الجديد الذي أقره البرلمان الأسبوع الماضي، والذي يشرّد أكثر من نصف مليون لبناني في حال تطبيقه حسب محللين، كونه يرفع بدلات الإيجار بشكل تدريجي في المساكن التي تدخل في نطاق عقود الإيجارات الموقعة قبل العام 1992.
هذا القانون ينتظر توقيع رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال سليمان، الذي وبحسب مصادر "العربي الجديد" يتجه نحو عدم توقيعه كونه يتضمن بنوداً غير واضحة.
وتلفت المصادر إلى أن القرار النهائي سيتم إعلانه بعدما ستتم دراسة القانون في لجنة قانونية سيعينها الرئيس.
هكذا، انقسم الشارع اللبناني بين دعوات للمستأجرين القدامى للتظاهر والإعتصام لمطالبة رئيس الجمهورية بعدم توقيع القانون، ويقابلهم مالكو الأبنية المستأجرة الذين يطالبون بتوقيع القانون لاسترداد أملاكهم. 
قصة قانون الإيجاراتفقد صدر قانون الإيجارات في لبنان في العام 1992، تم بموجبه تحرير عقود الإيجار ليتم تحديد سعر إيجار المساكن في لبنان بحسب العرض والطلب.إلا أن هذا القانون لم يكن رجعياً، وبالتالي لم يشمل الإيجارات المعقودة قبل العام 1992.
أُطلق على المستأجرين الذين لم يشملهم هذا القانون مصطلح "المستأجرون القدامى"، هؤلاء بقيت إيجارتهم ثابتة عند حدود زهيدة جداً نسبة إلى الإيجارات الرائجة.
لكن المساحات المتبقية للبناء في بيروت تقلصت لتصبح أقل من 100 عقار، ما جعل من المساكن القديمة محط أنظار المطورين العقاريين والمصارف وكل من يفيد من المضاربات العقارية، بحيث أصبحت بيروت متخمة عقارياً، في حين يوجد حوالي 25 ألف مبنى تابع للإيجارات القديمة في بيروت وحدها، وهذه المباني ستصبح قابلة للهدم بعد تطبيق قانون الايجارات، وبالتالي قابلة لتشييد أبنية جديدة وتحريك سوق البناء في بيروت.
هذا الواقع أنتج قانوناً جديداً للإيجارات تم إقراره في البرلمان اللبناني الأسبوع الماضي. وبموجب القانون، يتم زيادة كلفة الايجارات ما قبل العام 1992 بشكل تدريجي خلال 6 سنوات، وفي السنة التاسعة يصبح الإيجار حراً، أي أن بدل الإيجار يصبح خاضعاً للعرض والطلب، وإخراج المستأجر القديم من مسكنه يصبح سهلاً ومقونناً ولا يلزم المالك بأي تعويض.
وبعكس كل المطالب، لم يعمل البرلمان اللبناني على إقرار أي قانون يطرح بدائل أمام المستأجرين القدامى.
لا مساكن شعبية، ولا تعويضات تمكّن المستأجرين القدامى من شراء أو استئجار منازل بديلة في حال تم إخراجهم من منازلهم الحالية. وإنما تم تضمين القانون بنداً يشير الى انشاء صندوق مساعدات يتوجه للعائلات التي يساوي دخلها أقل من 3 أضعاف الحد الأدنى للأجر.
أي أن كل سكان المنزل يجب أن لا يتعدى راتبهم 1350 دولار لكي يستطيعوا الافادة من مساعدة هزيلة للتمكن من دفع الزيادات التي ستلحق على ايجاراتهم الشهرية. علماً أن الحد الأدنى للأجور في لبنان وهو 450 دولاراً لا يكفي ثمن وقود للتنقل بين المنزل والعمل، ولا يكفي لتأمين الحد الادنى من الحاجيات الغذائية، بفعل التضخم الكبير الذي أصاب لبنان، والذي وصل الى ذروته في العام 2008.
قانون معقّد وغير مباشرتدور حول قانون الإيجارات الجديد الكثير من التساؤلات حسب مصادر قانونية. إذ أن القانون الذي يطبق على كافة عقود إيجار العقارات المبنية المعقودة قبل 23/7/1992، ويستثني في الوقت ذاته عقود الإيجار الموسمية العائدة لأماكن الاصطياف والاشتاء، أشغال الأملاك العمومية للدولة والبلديات، وعقود إيجار الفيلات. ما يدل إلى تفرقة واضحة بين المستأجرين القدامى، خصوصاً الأثرياء منهم الذين لا يطبق القانون على أماكن اصطيافهم ولا على أماكن سكنهم.
وينص القانون الجديد على أنه "ينشأ صندوق خاص للإيجارات السكنية المشمولة بأحكام هذا القانون يكون تابعا لوزارة المالية. ويهدف هذا الصندوق إلى مساعدة جميع المستأجرين المعنيين بهذا القانون الذين لا يتجاوز معدل دخلهم الشهري ثلاث أضعاف الحد الأدنى للأجور وذلك عن طريق المساهمة في دفع الزيادات، كليا او جزئياً.
إلا أن وزير المال اللبناني وخلال إقرار القانون في البرلمان أعلن أن موازنة الدولة لا تسمح بتغطية نفقات هذا الصندوق. ما يجعل مصير هذا الصندوق مجهولاً، خصوصاً أن قانون الإيجارات سيطبّق بعد 6 أشهر من توقيعه من قبل رئيس الجمهورية، في حين أن لبنان يعيش بلا موازنة منذ 9 سنوات وبالتالي لا يمكن تمويل هذا الصندوق قبل الاتفاق على إقرار موازنة للبلاد.
وتحدد المادة 15 في القانون آلية تطبيق الزيادات على الإيجارات القديمة، بحيث تمدد العقود لغاية تسع سنوات على ان يدفع المستأجر قيمة بدل المثل تدريجيا وفاقا لما يلي: " يزاد بدل الإيجار 15% من قيمة فارق الزيادة بين بدل الإيجار المعمول به قبل نفاذ هذا القانون و"بدل المثل" وذلك عن كل سنة من السنوات التمديدية الأربع الأولى التي تلي تاريخ نفاذ هذا القانون. و20% من قيمة فارق الزيادة المنوه عنها أعلاه وذلك عن كل من السنتين الخامسة والسادسة من الفترة التمديدية حتى يبلغ بدل الإيجار في السنة التمديدية السادسة قيمة "بدل المثل".
ويكون بدل الإيجار في السنوات الممددة السابعة والثامنة والتاسعة مساويا لقيمة "بدل المثل". وبنهاية السنة التمديدية التاسعة يصبح الإيجار حراً.
إلا أن معادلة الزيادة المعقدة هذه ليست مسبوقة بتحديد ما يسمى "بدل المثل" وإنما يأتي تعريف "بدل المثل" في البند رقم 20 ليزيد من التعقيد تعقيداً. ويحدد بدل المثل على أساس نسبة 5% من القيمة البيعية للمأجور في حالاته القائمة فيما لو كان خاليا.
وبما أن أسعار الشقق في لبنان أصبحت خيالية، بذلك يرتفع الإيجارات الشهري على المستأجرين القدامى بطريقة متسارعة وكبيرة، تسرّع بالتالي عملية تشرديهم.
 
يقر رئيس لجنة حقوق الإنسان البرلمانية النائب غسان مخيبر بوجود مشكلة، إذ يقول في حديث مع "العربي الجديد" إن هذا القانون الذي صدر يجب أن يستكمل بسلة تشريعية تقوم على تأمين سياسية سكانية شاملة".
ويلفت الى أن هذا القانون يسري بعد 6 أشهر من الآن، وخلال هذه الفترة يجب إقرار سلة قوانين حمائية منها "الإيجار التملكي" (أي تملك المسكن بعد فترة من استئجاره) وتأمين حوافز ضريبية ونظام لتشييد أبنية اجتماعية (مساكن شعبية)".
ورداً على سؤال حول إمكان السير بقانون الإيجارات بلا تطبيق مشروع صندوق المساعدات الذي ينص عليه قانون الإيجارات نفسه، يقول مخيبر إن "صندوق المساعدات الموجود في القانون لا يعيق تطبيق القانون.وبالتالي يمكن الاعتبار أن القانون أصبح سارياً برغم عدم الاتفاق على آلية أكيدة لتمويل الصندوق. ولكن هذا الصندوق يؤمن انتظام القانون وبالتالي لا بد من السير بتطبيق بنود القانون كافة ومنها موضوع صندوق المساعدات".
قانون يستهدف الآلافتقدر وثائق البرلمان اللبناني عدد المستأجرين القدامى بـ 100 ألف عائلة، في حين تؤكد لجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين العدد بـ 180 ألف عائلة.
وتفيد إحصاءات إدارة الإحصاء المركزي في لبنان في العام 2005 أنه يوجد نحو 201 ألف عائلة تقيم في مساكن مستأجرة، بمعظمها تعود عقودها إلى ما قبل العام 1992.
ويقدر متوسط عدد الأفراد في العائلة اللبنانية بـ 4 أشخاص، وبالتالي فإن عدد اللذين سيكونون عرضة للتشرد خلال السنوات المقبلة، وفق الإحصاءات المتضاربة لعدد المستأجرين القدامى،  يصل إلى ما بين 400 و800 ألف شخص.
ويؤكد رئيس لجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين زكي طه في حديث مع "العربي الجديد" أنه يوجد في لبنان حوالي 180 ألف عقد ايجار قديم، غالبيتها في طرابلس وبيروت وجبل لبنان، إضافة إلى المناطق اللبنانية الأخرى.
ويشير طه إلى أن غالبية المستأجرين القدامى هم من أصحاب الدخل المحدود، وغير قادرين على شراء ولا حتى استئجار شقة في بيروت أو جبل لبنان بعدما وصل السعر الأدنى للشقة الصغيرة الى 250 ألف دولار، وايجارها لا يقل عن 700 دولار في حين أن الحد الأدنى للأجور لا يتعدى 450 دولاراً.
يعتبر رئيس لجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين أن قانون الإيجارات الذي أقر الأسبوع الماضي في البرلمان تم إعداد بنوده بما يتوافق مع مصلحة أصحاب المصارف وتجار البناء وكبار الملاكين من أجل تحرير كل العقارات والأبنية القديمة في بيروت وضواحيها والمدن الكبرى، "فهؤلاء الأطراف وخاصة أصحاب المصارف يريدون استثمار الكتلة النقدية الضخمة في الودائع المصرفية من خلال المضاربات العقارية، وهذا ما لم يعد متاحاً في بيروت بسبب شبه انعدام المساحات غير المبنية".
ويقول طه: "نحن أمام كارثة كبرى جرى تمريرها بصمت مريب ومشبوه في المجلس النيابي وتؤدي إلى تشريد الغالبية الساحقة من المستأجرين. فالأثرياء منهم قادرون على شراء بيوت اخرى. إلا أن الآلاف من المستأجرين هم من الفقراء الذين سيتشردون ويصبحون لاجئين داخل وطنهم".
ويطالب طه بتعويضات عادلة للمستأجرين القدامى أو البحث عن مساكن بديلة أو التأكيد على الزامية "الإيجار التملكي" بحيث يمكن للمستأجر أن يتملك شقته بعد دفعه ثمنها من خلال الإيجار الشهري.مالكو المنازل: يوجد ظلم في المقابل، يعتبر رئيس لجنة متابعة قضية مالكي الأبنية المستأجرة جوزف زغيب، أن قانون الإيجارات الجديد أعطى الحق لأصحابه عبر تمكين مالكي الأبنية من استعادة بيوتهم ولو بعد سنوات.
ويقول لـ "العربي الجديد" "نحن لسنا مدعومين لا من حيتان أموال ولا من مراجع دينية ولا سياسية ولا اقتصادية، ولكن نحن مظلومون وننتظر هذا القانون منذ 22 سنة".
ويعتبر زغيب أن مشكلة المستأجرين ليست مع المالكين، ويلفت الى أن العديد من المستأجرين المتضررين من القانون يقومون بردة فعل ضد المالك في حين أن الأخير يحصل على حقه لا أكثر.
ويلفت زغيب إلى أن المستأجر يمكنه خلال السنوات التي يطبق فيها القانون ادخار الأموال لكي يشتري شقة، ويعتبر أن صندوق المساعدات قادر على تقديم العون لمن يحتاج من المستأجرين.
ويشرح زغيب أنه يوجد في بيروت حوالي 25 ألف مبنى فيه إيجارات قديمة، وفي طرابلس بين 30 إلى 35 ألف مبنى، وما تبقى من إيجارات قديمة يتوزع على المناطق اللبنانية الأخرى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق