7‏/4‏/2014

العدالة الاجتماعية قلب ثورات الحرية


رشا أبو زكي - جريدة العربي الجديد

 
 
 
 
زلزلت الثورات العربية بنية الأنظمة، خلخلت أسسها السياسية. بعضها رحل على وقع صرخات الناس، وبعضها الآخر لا يزال يستخدم القتل والترهيب لعل الشعوب تعود إلى خنوعها. 
لكن، بعد حوالى ثلاث سنوات ونيّف على انطلاقة شرارة الثورات، لا بد من طرح سؤال يطال صلب قيام الثورات واستمراريتها: ما هي البرامج الاقتصادية والاجتماعية البديلة التي يمكن أن تقوم بعد سقوط الديكتاتوريات؟.

حتى اليوم، لم تستطع المعارضات في أي دولة عربية طرح فكرة بديلة عن القائم. 
في تونس مثلاً، تطرح الأفكار الإصلاحية لا التغييرية. 


في مصر لم يجر الحديث عن اي مشروع ولا حتى فكرة بعيدة عن التركيبة الاقتصادية السارية. في سوريا تعتبر المعارضات نفسها محيدة عن السؤال عن الرؤية الاقتصادية والاجتماعية التي من المفترض أن تزيد الى رصيد معارضاتها السياسية نقاط قوة.
تتمتع الأنظمة العربية بهيلكية اقتصادية متشابهة الى حدّ التوأمة. وهذه ليست بعجيبة في ظل وجود أنظمة آحادية تقوم على سلب مقدرات الشعوب لتكوين امبراطويات عسكرية واقتصادية وسياسية راسخة. والخلل البنيوي الاقتصادي الذي يشد عصب الأنظمة، خلل لا يستهدف سوى مصالح الناس وحقوقهم وتفاصيل حياتهم المعيشية.

في الواقع، لم يكفّ الشارع عن رفع شعارات معادية للأنماط الاقتصادية القائمة، فالخلل البنيوي واضح جداً في منظوره. إلا أن التعبير عن السخط من القائم جاء مبعثراً، كرفع رغيف الخبز في الشوارع، أو المطالبة بخفض الأسعار أو التصويب على مؤسسات تابعة لرأس النظام واتباعه. 


لكن، وبعد تحوّل الصراع الى الطابع الدموي، اختفت هذه الشعارات القديمة لتحل مكانها شعارات تدعو الى ترحيل النظام.. أما بعده فـ"لكل حادث حديث".

صحيح أن الحرية هي محور مطالب الشعوب الواقعة تحت الظلم. إلا أن الظلم الذي يصيب الشعوب له أسسه الاقتصادية، وبالتالي فإن المبررات التي تسوقها الأنظمة القمعية بأنها تضمن حياة الرفاه لمواطنيها مقابل مصادرة حريتهم، تسقط مباشرة حيث الاطلاع على معدلات الفقر والبطالة والهجرة والتخلف المنتشرة في هذه البلدان.
بالإضافة الى السيطرة والنفوذ، يسعى الحاكم المطلق الى تحويل بلده منبعاً لزيادة ثروته. من هنا تبدأ عملية تشكيل البنية الاقتصادية.

وبين تونس ومصر وسوريا تتشابه قوالب الأنظمة الإقتصادية السائدة والتي تدور في حلقة مترابطة بشدة واتساق، بحيث لا يكون هنالك منفذ لخروج أي قطاع اقتصادي من تحت جناحي سلطة الحاكم.
الأنظمة المافيو – اقتصادية ذات معالم شديدة الوضوح، فهي تقوم أولاً على الاقتصاد الريعي الذي يعظّم أرباح القلّة بشكل سريع وآني، تاركاً اللوحة الاقتصادية العامة غامضة المستقبل. وهذا النمط من الاقتصاد يستبعد أي عمل إنتاجي يمكن أن يوجد الوظائف، بحيث إن عائدات الريوع تعود الى من يستثمر بها حصراً، ما يؤدي الى اتساع قاعدة البطالة والهجرة.
 
كذلك، تتركز في هذه الأنظمة سلسلة من الامتيازات الموزعة على الحاكم وحاشيته، ما يوجد احتكارات ترفع من نسب التضخم وتترك آثارها العميقة في المجتمعات، خصوصاً من ناحية رفع معدلات الفقر والعوز وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
بالإضافة الى ذلك، تقوم الأنظمة المافيو – اقتصادية على خلق أرضية ضخمة لتأمين استمراريتها، فتكون القروض المصرفية آلية ناجعة لتأمين زيادة الاستهلاك في بلدان يعدّ فيها الإنتاج شبه معدوم.
 
وطبعاً، تترافق هذه الشبكة الأخطبوطية مع توزيعات دقيقة للثروات الطبيعية على الطبقة الحاكمة، إذ تعوم شركات خاصة على صفقات بيع النفط والغاز والثروات الطبيعية الأخرى.
 
وطبعاً، يلحق بهذه الأنظمة تشريعات وقوانين تعفي الريع، ومن يتعامل به، من الاقتطاعات الضريبية اللازمة لتأمين الحد الأدنى من العدالة في توزيع الثروة الوطنية.
وفي هذه الدورة الاقتصادية الدقيقة، تنخفض معدلات الأجور نسبة الى التضخم وتتراجع مخصصات الإنفاق ااإجتماعي للدولة، بحيث يصبح دافعو الضرائب مجرد آلة تمويل تضمن استمرارية نظام يعاكس مصالح الناس وحقوقها.

هكذا تصبح البنية السياسية في الأنظمة المافيوية صورة تخفي خلفها بنية اقتصادية شديدة التراصف والصلابة. ويصبح مطلبا الحرية والكرامة غير قابلين للاكتمال سوى بهدم شبكة المصالح الاقتصادية القائمة.

أما في البحث عن البدائل، فيصطفّ الباحثون بين نموذجي الاشتراكية والليبرالية. وكلا الفريقين يمتلك من الحجج الهدامة ما يكفي لنزع صفة الإمكان عن أحد النموذجين، في حين أن ثورات عربية جاءت بجديد على الصعيد المطلبي لا بد من أن تترافق مع جديد على صعيد الرؤية الاقتصادية التي تحقق ما يصبو إليه كل شخص نزل الى الشارع لهدم أسوار الأنظمة السياسية السائدة. 
لعل البحث عن مفهوم العدالة الاجتماعية ومتفرعاته الهيكلية هو الأجدى في هذا الإطار. عدالة تطال كل ما يتعلق بمصالح الشعوب العربية، من المأكل والملبس والمسكن والوظيفة والضريبة والأجر والرفاهية.
عدالة تعيد الى مفهوم السلطة تعريفه الأساسي، بحيث يكون الحاكم مجرد موظف لدى شعبه، يدير أملاك الشعب ومصالحه لفترة زمنية معينة، يتقاضى راتبه من شعبه ويرحل عندما تنتهي فترة تعاقده الوظيفي والمحددة بسنوات تنص عليها الدساتير.
 
- See more at: http://www.alaraby.co.uk/economy/d7b810c0-412b-4b1b-a670-30a8e405349f#sthash.1lcI1Wxm.dpuf
http://www.alaraby.co.uk/economy/d7b810c0-412b-4b1b-a670-30a8e405349f

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق